محمد بن جعفر الكتاني
64
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وقال تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً . [ الإسراء : 16 ] . وقيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أنهلك وفينا الصالحون ؟ ! » ، قال : « نعم ؛ إذا كثر الخبث . . . ! » . وقال عليه السلام : « ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله ثم لم يغيروه ؛ إلا عمهم اللّه بعقاب » . وما يذكر من حضور النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - أو غيره من الأولياء هناك لا تبعد صحته ، سيما وقد أخبر به من ثبتت ولايته ، واتضحت عنايته في غير ما موطن من مواطن الأولياء ، كمولد مولانا إدريس - رضي اللّه عنه - وأضرابه ، وقد ذكر غير واحد من الأكابر أن أولياء اللّه من البحر المحيط وسائر الجبال والبلاد يحضرون مولد القطب الشريف الحسيني أبي العباس سيدي أحمد بن علي البدوي دفين طنطا بأعلى النيل ، المتوفى سنة خمس وسبعين وستمائة ، وولد بفاس . وفي ذلك يقول الشيخ أبو الفيض حمدون ابن الحاج في ميميته : ما زال مولده تبدو عجائبه * لمن يسير له من بعد أو أمم وكيف لا ورسول اللّه يحضره * والأنبياء وما لهم من الدّجم « 1 » وفي " الطبقات " : « إن شخصا أنكر حضور مولده - يعني : تعنتا وتكبرا واستهانة - فسلب الإيمان لوقته ولم يعد إليه ، حتى استغاث به وتاب من ذلك » . ولا بدع في هذا ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم له تعلق معنوي ومرافقة روحانية لأمته ، في سائر شؤونهم وتقلباتهم ، رحمة منه لهم ورأفة بهم ، ولا يمنعه من ذلك - كما ذكره الشيخ أبو سالم العياشي في رحلته - كون بعض شؤونهم قد يلابسها ويخالطها خلاف المشروع ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلم كان معهم في حياته ، وهم على هذا الحال ، فيهم المسئ والمحسن والطائع والعاصي ، بل والمؤمن والمنافق ، فيعلم جاهلهم ، ويرشد ضالهم ، ويرفق بالعاصي والمنافق حتى ينقاد ، ولم تحمله إساءتهم ، ولا عصيان بعضهم ونفاقه على مفارقتهم ، والتخلي عنهم ؛ إذ لو فعل لعوجل المسئ بالهلاك ، وخذل المطيع في طاعته ، ولم يبال اللّه بهم باله ، فكذلك هو صلّى اللّه عليه وسلم ، معهم بعد موته على هذه الحال ، ولذلك قال : « حياتي خير لكم وموتي خير لكم » . قال في الرحلة المذكورة : « وتفهم من هذا ما يحصل من الاجتماع العظيم في محل بعض الصالحين واشتماله على بعض المناكر ، ومع ذلك يحضره الأولياء ، وأرباب القلوب من الصالحين ، فيشاهدون حصول [ 63 ] مدده صلّى اللّه عليه وسلم لكل زائر ، وسريان سره في سر كل حاضر ، وذلك كمولد
--> ( 1 ) في " القاموس " : والدجم : الأخدان والأصحاب . مؤلف .