محمد بن جعفر الكتاني

56

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكيف يلزمه ذلك بعدم السعي في قضائها وهو قد خرج من دار التكليف والمشاق إلى دار النعيم المقيم التي لا تكليف فيها بشيء ؟ ! ! ، وهل يمكنه أو أحدا من العالمين قضاء هذه الحاجة والتشفع فيها حيث لم يجر علم اللّه بقضائها أو لم يحصل له إذن من اللّه في الشفاعة فيها ؟ ، وهل النقص والعيب إلا في مخالفة أمر اللّه وعدم الرضى بقضاء اللّه ، وسوء الأدب مع أوليائه ، كما هو حال هذا الشخص ؟ ! . وأيضا : ففي ذلك مخالفة للشرع ولما كان عليه السلف الصالح وأهل العلم والدين ؛ إذ الشرع لم يرد بذلك وإنما ورد بضده ، والسلف وأهل العلم والدين لم يكونوا يفعلون ذلك بقبر أحد من الأولياء ولا من الأنبياء ، والخير إنما هو في سلوك سبيل السنة ، والاتباع لما جاء عن أحبار هذه الأمة . وأما ما ذكره في " نسمة الآس " للشريف العلامة أبي العباس سيدي أحمد بن عبد القادر القادري الحسني من أن العارف الكبير ، والولي الشهير : سيدي أحمد بن عبد اللّه معن الأندلسي لما حج سنة مائة وألف ومر في طريقه على القرية المسماة بالمسيد ؛ وهي التي بها ضريح عقبة بن نافع الفهري التابعي فاتح إفريقيا ، وزاره هو وأصحابه وفرغوا من الزيارة ، دنا هو - رضي اللّه عنه - من الضريح ، وأزال عمامته ووضعها عليه ، ووضع جماعة من أصحابه الذين كانوا معه هناك عمائمهم كذلك اقتداء به ، ثم فعل ذلك أيضا لما زار ضريح القطب الكبير سيدي أحمد زروق - رضي اللّه عنه - بأتكران ، قرية من قرى مسراته التي هي آخر بلاد الجريد ، وأولها قرية سيدي خالد النبي عليه السلام ؛ فمحمول على أنه - رضي اللّه عنه - لم يقصد بذلك معنى العار ، وكذلك أصحابه ، وإنما قصدوا به مجرد التماس البركة واستجلاب الخير من صاحب الضريح ؛ والمبالغة في استعطافه . وكذلك ما يحكى عن بعض من يشار له بالصلاح من الذبح بضرائح [ 55 ] الأولياء ؛ لا يظن به أنه يقصد به العار ، وإنما يقصد به قصدا حسنا من التصدق بلحم ذلك الحيوان المذبوح على من يقبض صدقة ذلك الولي ، أو نحو ذلك . . . فاعرف هذا ولا تظن إلا خيرا . وقد قال العلامة سيدي الطيب بن عبد المجيد ابن كيران في تأليف له في الرد على المبتدع الوهبي وجماعته لما تكلم على ما يفعله الناس في هذه الأعصار من الذبح على الأولياء في ضرائحهم ما نصه : « نعم ؛ من اختبر حالهم في هذه الأقطار ، ظهر له أن جل القصد في ذلك هو العار لذلك الولي ، حسبما اعتادوا فيما بينهم من أن من أراد الانتصار بوجيه أو بقبيلة يذبح عليه أو عليها ؛ فيرى المذبوح عليه أن عارا عليه ومعرة أن يهمل أمر من ذبح عليه ، وأن لا يقف معه جهده في نيل مطلوبه ، فقصدوا بالذبح على الصالحين هذا المعنى ، يضطرونهم بذلك للاهتمام بحوائجهم والشفاعة في قضائها