محمد بن جعفر الكتاني
52
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
صلّى اللّه عليه وسلم في الغداة الباردة بالأواني ، فيضع فيها يده للتبرك ، وكانوا يغسلون أثره بعده للاستشفاء به . وقطعت أم سليم فم قربة شرب منها قصدا للتبرك بها ، وكذلك جدة عبد الرحمن ابن أبي عمرة ؛ لتتخذ ذلك المحل الذي أصابه فمه الشريف متبركا ووسيلة إلى الاستشفاء به ، وتقدم عن المقري في تأليفه في النعل الشريف عن الحافظ زين الدين العراقي أنه : روي عن الإمام أحمد أنه غسل قميصا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به . وفي " المنح البادية " ما نصه : « وقال الربيع بن سليمان : إن الشافعي خرج إلى مصر وقال لي : يا ربيع ؛ امض بكتابي هذا إلى أبي عبد اللّه - يعني : الإمام أحمد بن حنبل - وأئتني بالجواب . قال الربيع : فدخلت بغداد ؛ فوجدت أحمد في صلاة الصبح ، فلما انتقل من المحراب ؛ سلمت عليه وقلت له : هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر . فقال لي أحمد : نظرت فيه ؟ ، فقلت : لا . فكسر الختم فقرأ وتغرغرت عيناه ؛ فقلت : إيش فيه يا أبا عبد اللّه ؟ ، فقال يذكر فيه أنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في النوم فقال له : اكتب إلى أبي عبد اللّه فاقرأ عليه السلام وقل له : إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم ، فيرفع اللّه لك علما إلى يوم القيامة ! . فقلت له : البشارة يا أبا عبد اللّه ! ! . فخلع أحمد قميصه الذي على جسده ؛ فأعطانيه وأخذت الجواب ورجعت إلى الشافعي . فقال لي : إيش الذي أعطاك ؟ ، فقلت : قميصه فقال : لا نفجعك ، ولكن بله وادفع إلي الماء لأتبرك به . . . » . والتبرك بآثار أهل الخير ومن يعظم للدين معمول به عند كثير من المشايخ المعتمد عليهم ، وذلك منقول عنهم بالاستفاضة ، وذلك كله مما يؤيد الجواز هاهنا . لكن لمن يريد التبرك ونحوه لا لمن يعتقد فيه شيئا من اعتقادات أهل الجاهلية . واللّه أعلم . [ حكم رفع التراب من القبر ] : ومنها : أن لا يرفع منه ترابا ؛ لأنه حبس . قاله الشيخ زروق في " عدة المريد " . قلت : وتعليله المذكور يقتضي منع حمل تراب القبر تبركا به ، وبذلك صرح [ 51 ] في " شرح الرسالة " ؛ فقال ما نصه : « من البدع : اتخاذ المساجد على مقبرة الصالحين ، ووقد القناديل عليها دائما أو في زمان بعينه ؛ والتمسح بالقبر عند الزيارة ؛ وهو من فعل النصارى ، وحمل تراب القبر تبركا به ، وكل ذلك ممنوع ؛ بل يحرم » . وهذا الذي ذكره من المنع بالنسبة لمسألتنا ليس بمتفق عليه : ففي نوازل الجنائز من " المعيار " ما نصه : « وسئل أحمد بن تبوك عن تراب المقابر الذي كان الناس يحملونه للتبرك هل يجوز أو يمنع ؟ ؛ فأجاب : هو جائز ؛ ما زال الناس يحملونه ويتبركون بقبور العلماء