محمد بن جعفر الكتاني
48
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
يملك نفسه فيبادر إليه ، ومنهم من فيه أناة فيتأخر » . قال في " الدر النفيس " : « ومن هذا قول أبي الفضل عياض رضي اللّه عنه : وعلى عهد إن ملأت محاجري * من تلكم العرصات والجدرات لأعفرنّ مصون شيبي بينها * من كثرة التقبيل والرشفات [ حكم الانحناء للقبر ] : ومنها : عدم الانحناء للقبر كما يفعله كثير من الجهال . وهو من البدع القبيحة المستهجنة ، وأقبح منه : تقبيل الأرض بين يدي الولي ، وأقبح منهما وأقبح وأبشع وأشنع : السجود له بوضع الجبهة على الأرض ، والمبالغة في الانحناء حتى يصل لحد الركوع ، وهو شيء تشمئز منه نفوس السامعين ، وتكاد تنفطر من أجله قلوب الناظرين ، ويجب على من له قدرة منع الناس منه ، وتأديبهم عليه . وفي " الجوهر المنظم " لابن حجر الهيتمي ما نصه : « يكره الانحناء للقبر الشريف - يعني : قبره صلّى اللّه عليه وسلم - وأقبح منه : تقبيل الأرض . ذكره ابن جماعة . ثم قال في " الجوهر المنظم " : وهذا كله في الانحناء بمجرد الرأس والرقبة ، أما بالركوع ؛ فهو حرام . وأما تقبيل الأرض له - يعني : للقبر - فهو أشبه شيء بالسجود له ، بل هو هو ، فلا ينبغي التوقف في تحريمه ذكره بعضهم . وهو وجيه في الركوع إذا قصد به التعظيم بخلاف تقبيل الأرض ، ويفرق - يعني : بينهما بأن نحو الركوع صورته صورة عبادة ، ففعله للمخلوق بقصد تعظيمه يوهم التشريك ، فحرم بل ربما ينتهي الحال إلى الكفر إذا قصد به تعظيمه كما يعظم اللّه سبحانه وتعالى . وأما نحو تقبيل الأرض مما ليس على صورة العبادة ؛ فهو بنحو مس القبر ، وإلصاق الظهر والبطن به أشبه ، فلم يكن محرما بل مكروها ، لأنه لا يوهم نظير ما تقرر في نحو الركوع ، فلم يكن فيه مقتض للحرمة . فتأمل ذلك فإنه مهم » . وما اختاره في تقبيل الأرض من عدم الحرمة هو الظاهر ، وهو الذي جزم به صاحب كتاب " رسوم الخلفاء " لما تكلم على [ 47 ] تقبيل الأرض بين يدي الملوك قائلا ما نصه : « ولا بأس به من وجوه الإكرام ، وليس بسجود ؛ فإن السجود هو : مباشرة الأرض بالجبهة . . . » ، لكن قوله : « ولا بأس به » . يفيد أنه جائز ، وظاهره أنه مطلقا ، وليس كذلك ؛ بل الجواز مقيد بحالة الخوف ، وأما حيث يأمن الشخص على نفسه وما له بتركه ، فهو مكروه كراهة شديدة ، كيف وقد قيل بحرمته كما سبق ؟ ! . وفي " شرح الشمائل " للشيخ جسوس - رحمه اللّه - ما نصه : « وأما السجود على الأرض بين يدي قبور الصالحين عند التبرك بزيارتهم ؛ فما لا يقول بجوازه مسلم ؛ فإن السجود إنما يكون للّه رب العالمين ، فليحذر المؤمن كل الحذر من فعل الجاهلين . . . » .