محمد بن جعفر الكتاني

42

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

الوصف المذكور ، فليجلس متصلا بالقبر ، تحصيلا لأفضلية التوجه إلى وجه الشيخ ؛ فإن لم يسعه المكان للجلوس أصلا ؛ فلا يجلس على طرف القبر ؛ لما فيه من سوء الأدب المؤدي إلى المقت والعياذ باللّه تعالى ولينتقل إلى وراء [ 40 ] عند رأس الشيخ ؛ فإنه على كل حال بمرأى منه ومسمع ، وليجعل بينه وبينه حينئذ ما كان يجعله لو جلس أمامه » . ومنها : اتقاء وطء قبره والجلوس عليه . لأنه محل أدب ووقار ، وتعظيم وإكبار . ونص على ذلك غير واحد . ومن هنا كره غير واحد من العلماء وغيرهم دخول القبة الإدريسية من هذه الحضرة الفاسية ؛ لما يترتب على ذلك من وطء قبور العلماء والأشراف والصالحين بها ، والجلوس على مقابرهم ، وفي ذلك سوء أدب معهم . وقد ذكرنا في تقييد لنا جمعنا فيه بعض مناقب الإمام إدريس باني فاس - رضي اللّه عنه - أن المختار هو : جواز الدخول لها ، لأن محل ما ذكر من كراهة وطء قبر الرجل الصالح والجلوس عليه إذا لم تدع إلى ذلك ضرورة شرعية ، ولم يتعلق به غرض ديني ندب الشرع إلى فعله في محله : من طواف وصلاة . . . ونحوهما وإلا جاز ، وهذه القبة تعلق بدخولها ووطء مقابرها غرض ديني ندب الشرع إلى فعله بها وهو الصلاة والذكر والعبادة ، لأنها كانت قبل الدفن بها مسجدا فكان الحكم له . وقد قال تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ . . . . [ النور : 36 ] ، وقال عليه السلام : « المسجد بيت كل مؤمن » ، وقال : « لا صلاة لجار المسجد إلا بالمسجد » ، وقال : « إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان » . وأيضا : فهذه القبة محل خير وبركة ، وفضل وقبول دعاء وغير ذلك ، ولا تخلو غالبا ممن هو من أهل الخير والدين والصلاح ؛ فلا تطيب نفس المشتاق إلا بالدخول إليها ، ولا يمكن منعه منها . وأيضا : فإن مولانا إدريس - رضي اللّه عنه - يحب الدخول لها ، كما شهدت بذلك رؤيا بعض أكابر العارفين حيث قال له الإمام إدريس - رضي اللّه عنه - فيها : « ادخل لقبتي ومر الناس بالدخول لها ، ولا تقل : كيف أدخل وأطأ بقدمي قبور الأشراف والعلماء ؟ ! ؛ فإنهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر . ولا يترك الدخول لها إلا محروم ! » . وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في التقييد المذكور . فراجعه . ومنها : أن يستحضر حياة ذلك الولي في قبره وأنه عالم بزائريه . لآية : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ . [ آل عمران : 169 ] . ويستعمل معه من الأدب والوقار والسكينة ما يستعمله لو أتى إليه وهو حي حياة دنيوية .