محمد بن جعفر الكتاني
43
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
ومنها : أن يعتقد استمداده من حضرة المصطفى عليه الصلاة والسلام . إذ هو المزور على الحقيقة ، وهؤلاء إنما هم أبوابه ونوابه وخدام بساطه وحضراته ، وهو - صلّى اللّه عليه وسلم - الممد لجميعهم ، والمعطي لكل واحد منهم ما يمد به زواره وقصاده [ 41 ] على حسب الزائر والمزور . وفي " شرح الشمائل " للعلامة سيدي محمد جسوس نقلا عن بعض العارفين قال : « ينبغي لمن زار وليا من أولياء اللّه تعالى أن يستحضر استمداده من حضرته صلّى اللّه عليه وسلم ، فيكون بذلك زائرا له صلّى اللّه عليه وسلم . . . » . انتهى . ومنها : أن يقدم السلام على الولي على الدعاء ؛ لأنه عليه السلام أمر بالسلام على الشهداء عند زيارة قبورهم ، وحكم هؤلاء الأولياء حكمهم ؛ لأنهم أحياء أيضا ، فيجعل السلام عليهم قبل كل شيء يريد طلبه ، وليقل : « السلام عليكم دار قوم مومنين ، وأتاكم ما توعدون ، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » . فكذلك كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول إذا أتى البقيع حسبما أخرجه مسلم من حديث عائشة . وليقرأ قوله تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . [ يونس : 62 - 64 ] قال في " معتمد الراوي " : « فكذلك فعل من يقتدى به علما وبصيرة » . ومنها : أن يطلب الرحمة وزيادة النعمة والبركة للمزور ، إذ لا نهاية لفضل اللّه تعالى . نقل ذلك في " معتمد الراوي " عن بعض العارفين . ومنها : أن ينظر إلى الأرض ، ويغض الطرف عما عساه يكون هناك من الزينة ، وعمن هو هناك من الناس . لأن ذلك يشغله عما هو بصدده من الزيارة ، مع ما فيه من سوء الأدب . ومنها : أن يتقي رفع صوته ؛ فلا يجهر للولي بالقول كما لا يجهر له به لو كان حيا ، وكذا يتقى ما لا يعنيه ؛ لأن مجالسهم لا تحتمل الجسارة وقلة الأدب ، بل يكون بين أيديهم خاشعا خاضعا متذللا ، ولا يكون عزيز النفس مفتخرا ؛ لأن الزائر ينال بالذل والانكسار ما لا يناله بالعز والافتخار والاستكبار ، والمواهب الربانية لا تستقر إلا في القلوب المنكسرة ، والنفوس المنحدرة . ومنها : أن يتقي دخول الحجرة - أعني بها : محل قبر الولي الخاص به ؛ كالدربوز الذي يكون على قبره - لأن ذلك المحل محل تعظيم واحترام ، وأدب وحشمة . وفي " شرح الحصن " نقلا عن الشيخ أبي عبد اللّه البلالي ، قال : « ويحترم الصالح جدا ؛ حيا وميتا ، فلا تهجم حجرته ولا يمسّ قبره ، ولا يستدبر ، ويتقي رفع صوته وما لا يعنيه ، ونوما بقبره ومد رجليه ، وبصقا ونحوه ، ونبش قبره ولو بلى . متأدبا ما أمكنه . . . » .