محمد بن جعفر الكتاني

41

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ويؤيده : ما ذكره ابن جزي في تفسير قوله تعالى : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً . [ طه : 12 ] ونصه : « قيل إنما أمر بخلع نعليه لأنهما كانتا من جلد حمار ميت ، فأمر بخلع النجاسة . واختار ابن عطية أن يكون أمر بخلعهما ليتأدب [ 39 ] ويعظم البقعة المباركة ، ويتواضع في مقام مناجاة اللّه ، وهذا أحسن . . . » . ثم وجدت في حاشية العارف الحفني على " الجامع " في شرح قوله عليه السلام : « تمعددوا واخشوشنوا ، وانتضلوا وامشوا حفاة » ، ما نصه : « ولا بأس بالحفاء في القدوم على قبر ولي أدبا معه وتواضعا للّه تعالى » ، وهو موافق لما ذكرناه ، لأنه إذا جاز الحفاء في القدوم على قبور الأولياء - أي : في الطريق عند الذهاب لزيارتهم - فأولى عند مقابرهم وروضاتهم ، ومراده بلا بأس : الاستحباب . بدليل تعليله ، فتأمله . وفي حديث رواه الطبراني في " الأوسط " والخطيب والديلمي عن ابن عباس مرفوعا : « إذا تسارعتم إلى الخير فامشوا حفاة ؛ فإن اللّه يضاعف أجره على المنتعل » ، لكن قال المناوي : وإسناده ضعيف ، بل قيل بوضعه . وقال العارف الحفني : « هذا الحديث موضوع ؛ وما قيل : إنه قواه حديث غيره ، مردود بأن ذلك الغير موضوع أيضا . لكن معناه صحيح ؛ لما ورد من طلب التواضع وقمع النفس فيسن المشي مع الحفاء في القرب بالشرط المتقدم إذا قصد به التواضع ، لا بخصوص هذا الحديث . بل لعموم طلب التواضع » . والشرط المتقدم هو قوله : « إن أمن تنجيس القدم وكانوا في محل لم يزر الحفاء بهم فيه » . ويزاد شرط ثالث : وهو أن لا يكون في الطريق ما يؤذيهم في أقدامهم . . . واللّه أعلم . ومنها : أن يدنو من القبر بحيث يكون بينه وبينه ذراع ونحوه ، ولا يبعد منه جدا ولا يلتصق به . وفي " المعزى " ما نصه : « وصفة الجلوس بين يدي الولي ؛ أن يجعل بينه وبين رأسه ذراعا أو ذراعا ونصف ذراع إلى ذراعين ، ولا يلتصق بالقبر ، بل يجعل بينه وبينه أيضا نصف ذراع أو ذراعا ، وليجلس بينه وبين القبلة ؛ يجعل القبلة في قفاه ، ويتوجه بوجهه إلى الشيخ . هكذا ذكره الأيمة المحققون » . انتهى . وهذا هو الذي في كتب غير واحد من المالكية ، والمعتمد عند الشافعية : أن البعد أولى . واختلفوا : هل بنحو أربعة أذرع كما في إيضاح النووي ، أو ثلاثة كما عبر به ابن عبد السلام ؟ . وقال ابن حجر الهيثمي في " الجوهر المنظم " : « كلما بعد كان أولى ؛ لأنه الأليق بالأدب » . قال في " معتمد الراوي " : « وإذا كان القبر متصلا بحائط أمامه بحيث لا يجد الزائر متسعا لجلوسه على