محمد بن جعفر الكتاني

40

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وفي " الفتح المبين " لسيدي عبد اللّه الخياط الهاروشي المغربي [ 38 ] الفاسي ما نصه : « حكى لنا شيخنا العياشي - حفظه اللّه - عن الشيخ سيدي أحمد الشاوي - أحد صلحاء بلادنا فاس . . أنه : جاء لضريحه رجل ممن دهمته بعض الدواهي ، وأقام عنده أياما وهو في كل يوم يأتي الشيخ من خلفه ، وطالت مجاورته هنالك ، فاتفق له يوما المجيء من أمام الشيخ ، فدعا على عادته والتجأ للشيخ ، فأخذته سنة ؛ فرأى الشيخ ، فقال له : فلان ! . فقال : نعم يا سيدي ؛ هذا لي مجاور عندك كذا وكذا . فقال له الشيخ : ما رأيناك إلا الساعة ! ! » . وكيف يعدل الزائر عن استقبال المزور وهو قد أتى إليه سائلا وزائرا ومستعطفا ، وأحدنا إذا أتاه طالب حاجة من خلفه . انتهره وعد ذلك من سوء أدبه وقلة عقله ؟ ! ، مع أن استقبال مطلق المؤمن - فضلا عن كامل الإيمان - خير من استقبال الكعبة ؛ لأن حرمة المؤمن أعظم عند اللّه من حرمتها ، وتعظيمه خير من تعظيمها ، والوقوع فيه أشد من هدمها ونقضها . ومنها : أن يجلس كجلوسه للصلاة أو جاثيا على ركبتيه لأنه أليق بالأدب من التربع والاتكاء ونحوهما . . . وفي " المعزى " ما نصه : « وينبغي أن يتأدب مع الأموات كما يتأدب مع الأحياء ، فيجلس كجلوسه للصلاة ، ولا يجلس متربعا . قاله بعض العلماء » . [ هل الأفضل عند الزيارة القيام أو الجلوس ؟ ] : وهل تجوز الزيارة من قيام ؟ . نقل النووي في مجموعه عن أبي موسى الأصفهاني أن الزائر له عليه السلام : يخير بين الجلوس والقيام . وسكت عليه . واختار ابن حجر الهيثمي في " الجوهر المنظم " الوقوف لمن لا يريد الطول . والظاهر أنه يقال هنا كذلك . لكن الأدب يتبع العرف ، وعرف المغاربة : أن الجلوس أبلغ في مراعاة الأدب من القيام . ولذا يؤثرونه عليه غالبا ، إلا إذا كان المحل لا يحتمل الجلوس فيه لعدم نظافته ، أو كان الزائر يريد التخفيف لما يعرض له في الوقت من الأشغال ونحوها . واللّه أعلم . [ هل الأفضل خلع النعلين أم لا ؟ ] : وإذا قلنا من قيام ؛ فهل الأولى له خلع نعليه مطلقا تواضعا وأدبا وتعظيما - وإن كانتا غير نظيفتين - ليلا يكون حاملا بهما حال زيارته نجاسة ، وهو خلاف المطلوب ، أو لا يؤمر بخلعهما مطلقا ؟ . الظاهر : هو الأول ، وهو الذي جرى به عمل كثير من أهل الخير والدين ؛ لأن الخلع مطلقا أقرب إلى التواضع المطلوب في هذا المحل ، وأدعى للتعظيم ، وأبلغ في الأداء .