محمد بن جعفر الكتاني

37

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

آداب الزيارة ثم الزيارة لها آداب كثيرة : منها : أن يذهب لها في الوقت الذي يكون فيه فارغا من الأشغال الضرورية التي يضر تركها به في دنياه ومعاشه ، وغير مطالب أيضا [ 35 ] بأداء حق من حقوق اللّه تعالى ، أو حق من حقوق عباده الواجبة فلو كان غير فارغ من الأشغال الضرورية ، أو كان مطالبا بحق من الحقوق الواجبة عليه في الحال ، للّه أو لعباده ؛ لم تشرع . وقدم ما ذكر عليها تقديما للآكد فالآكد ، قالوا : ومن المعاصي التي يجب على صاحبها أن يتوب منها : زيارة الصالحين ، وعلى الزائر دين فرض كعدد صلوات وجب قضاؤها عليه ، فيترك قضاءها الذي هو واجب عليه على الفور ، وهو حق اللّه ، وفيه نور اللّه وسره الذي يرحمه به ويذهب إلى زيارة الصالح . وممن أشار لإنكار هذا : صاحب " الإبزير " نقلا عن الشيخ مولانا عبد العزيز الدباغ رضي اللّه عنه ، وعده من الأسباب الموجبة للانقطاع عن اللّه عزّ وجل ، الطارئة على هذه الأمة من غير شعور لأكثرهم بها ، وقال : « إنه لا يخفى ما فيه من الانقطاع والظلام ، وقال بعضهم : زيارة الأحياء والأموات من الصالحين والأولياء مأمور بها ما لم تؤد إلى تضييع واجب أو أدائه على غير الوجه الكامل ؛ فإن أدت إلى هذا ؛ فلا خير فيها ، إذ ليس ما اشتغلت به بأولى مما تركت . . . » . وقد نصوا على أن المندوب إذ أدى لترك واجب أو أدائه بعد خروج وقته المقرر له شرعا فإنه يجب تركه ، واللّه أعلم . ومنها : أن يقصد بزيارته وجه اللّه العظيم لا طلب الجاه والدنيا ، قال في " الدر النفيس " : « قال القرطبي : ينبغي لمن عزم على زيارة القبور أن يتأدب بآدابها ، ويحضر قلبه في إتيانها ، ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط ، فإن هذه حالة تشاركه فيها البهيمة ، بل يقصد بزيارته وجه اللّه تعالى ، وإصلاح قلبه . . . » ، انتهى المراد منه . وقد نقله الحطاب أيضا في " شرح المختصر " عند قول المصنف : « زيارة القبور بلا حد » . وكذا لا ينبغي له مخالطة الدنيا فيها ، ولا أن يحمل معه شيئا منها ، إلا إن كانت الزيارة تحتاج لسفر ؛ فلا بأس أن يحمل معه ما يحتاج إليه في أثناء الطريق ؛ كالزاد ونحوه . وقد كان الشيخ سيدي محمد بن عطية الأندلسي - دفين الجبيل من عدوة فاس الأندلس - يقول : « إن الزائر للّه تعالى إذا كان في زيارته لا يكتب عليه الملك صاحب الشمال خطيئة إذا لم يضيع حق اللّه تعالى ولم تصحبه دنيا ولا سمعة ولا رياء » .