محمد بن جعفر الكتاني

38

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ومنها : أن يكون متطهرا طهارة صغرى ، لأنها مطلوبة في الدخول على الملوك والعظماء ، فأهل اللّه أحرى ؛ ليكون على حال كمال ، وأكمل حال عند ملاقاة أهل محبة اللّه ورواده ، وأوليائه المصطفين من عباده ، مهيأ لكل [ 36 ] خير ؛ إذ طهرة الظاهر لها أثر في طهارة الباطن ، متحصنا من كل شر ؛ كفتور عزمه ونحوه ، إذ الوضوء سلاح المؤمن يدفع به عنه الشيطان ، وفيه من التعظيم في هذا المقام ما فيه . قال في " معتمد الراوي " : « وقد نص غير واحد من الفقهاء على استحباب وضوء زيارة الصالحين » . ومنها : أن يلبس نظيف ثيابه ، تعظيما لشأن الذاهب له منهم نص على ذلك في " معتمد الراوي " . ومنها : أن يفرغ الزائر قلبه عن كل شيء من أمور الدنيا الدنية ، وما لا تعلق له بالزيارة ، حتى يصلح قلبه للاستمداد من ذلك الولي . إذ من المعلوم المقرر عند أرباب القلوب : أن القلب المشغول بقاذورات الدنيا من الشهوات والإرادات لا يصلح أن يصل إليه شيء من المدد ، مع ما في ذلك من سوء الأدب . فإن فرض أنه اجتهد في إزالة شيء من ذلك من قلبه فلم يزل ؛ فلا لوم عليه ، وليطلب من سعة عطف ذلك الولي المسامحة والتجاوز عن التقصير على كل حال . إذ لا يمكن استقصاء ما يجب له من الآداب والحقوق . ومنها : أن يقدم زيارة الأحياء على الأموات حيث كان مسافرا أو في حكمه . وفي " المدخل " ما نصه : « وكذلك ينبغي له - يعني : للمسافر - زيارة قبور العلماء والصلحاء والأولياء في كل موضع مر به أو دخله إن تيسر عليه ذلك ، لكن يقدم زيارة الأحياء على زيارة الأموات ، إذ إن حقهم متعين في وقتهم دون غيرهم ، فلو مر بالقبور أولا ؛ بدأ بزيارة أهلها » . ومثل المسافر في هذا الحاضر إذا طال عهده بزيارة الأحياء وأراد زيارة الأموات ، فينبغي تقديم الأحياء . واللّه أعلم . ومنها : أن يذهب ماشيا لا راكبا ، تواضعا للّه تعالى واغتناما للثواب الوارد في ذلك ؛ كحديث : « من أغبرت فرماه في سبيل اللّه - أي : في طريق يطلب فيها رضى اللّه - حرمه اللّه على النار » ، أخرجه البخاري وغيره عن أبي عبس . وإذا اضطر إلى الركوب لبعد الطريق أو لعجزه عن المشي لضعفه بمرض أو كبر ، وكان المزور بين مقابر ؛ تأكد عليه إذا وصل إليها النزول وأن لا يمشي فيها راكبا ، بل وأن يترك إدخال الدابة إليها رأسا ، لأنها تبول وتروث ، وفي ذلك من الإذاية لأهل القبور ما لا يخفى . وقد قال العارف باللّه سيدي عبد الوهاب الشعراني في اختصاره لتذكرة القرطبي ما نصه : « وإياك والمشي على قبور المسلمين بنعل أو بهيمة ، لا سيما إن بالت أو راثت ، فإن ثواب زيارتك كلها قد لا يساوي بول دابتك على مسلم واحد » .