محمد بن جعفر الكتاني

340

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان - رحمه اللّه - ممن أخذ عن الشيخ سيدي محمد ابن الفقيه المذكور ، واقتبس من أنواره ، واستفاد من أخباره ، وكان السبب في أخذه عنه : أنه ذهب في أول أمره إلى الشيخ الصالح سيدي علي عزوز بزغوان ، قرب تونس ، بقصد زيارته والأخذ عنه ، فلما دخل عليه ؛ قال له : « لست بصاحبي وشيخك هو سيدي محمد ابن الفقيه بفاس » . فرجع إلى فاس ؛ فوجد الشيخ قد شرع في بناء الزاوية التي بها ضريحه ، فوجهه الشيخ إلى البناء ، وقدمه عليه ؛ لكونه كان له رأي وفهم ، وكان يطلب من الشيخ شيئا من الدنيا لكونه كان قليل ذات اليد ؛ فناداه الشيخ يوما وأمره باتباعه ؛ فخرج وتبعه ؛ فلم يشعر وقد ذهب قليلا حتى وجد نفسه في فدان من باذنجان لا يدري في أي أرض اللّه هو ؟ ، فجعل الشيخ يطوف في الفدان ويلتفت إليه ، ويقول له : « كتشوف يا سيدي عبد اللّه هذه الدنيا ؟ ! ! » ، ويكرر ذلك ، وسيدي عبد اللّه يقول له : « نعم يا سيدي » ، حتى إذا عزم الشيخ على الخروج من الفدان ؛ عمد سيدي عبد اللّه المذكور إلى باذنجانة واحدة وقطعها وخبأها في جيبه ، ثم خرج الشيخ وتبعه سيدي عبد اللّه ؛ فلم يشعر حتى وجد نفسه بباب الزاوية ؛ فلما مد يده إلى الباذنجانة وأخرجها ؛ وجدها قطعة من ذهب ، فقدم وجاء إلى الشيخ ؛ فقال له رضي اللّه عنه : « ذلك الذي أعطاك اللّه ، ألم أقل لك : كتشوف هذه الدنيا يا سيدي عبد اللّه وأكررها عليك ؟ ! » . وكان بعد ملاقاته مع الشيخ وأخذه عنه ؛ مشتغلا بشيء من علم النار ؛ المسمى بعلم التدبير فناداه الشيخ ذات يوم وقال له : « أنت مشتغل بكذا وكذا ؟ » ، فقال له : « نعم يا سيدي » ، فقال له رضي اللّه عنه : « دع عنك ذلك ؛ يغنك اللّه . وصنعتنا وتدبيرنا هو كثرة الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم » ، فامتثل وترك ذلك ولم يعد إليه ، ولم يكن يملك بفاس ولو آجرة واحدة ؛ فوسع اللّه عليه وملك الدار بعد أن كان اشتراها من مال الشيخ ، والطراز وغير ذلك من الأصول والدراهم . . . وفي " تحفة الإخوان " في ترجمة سيدي محمد ابن الفقيه ما نصه : « وحدثني أخونا الشريف الأجل ، المرابط الأفضل ؛ مولاي عبد اللّه بن مولاي أبي طالب الشريف الكتاني ، وكان من أصحاب هذا الشيخ سيدي محمد ابن الفقيه ، قال : كنت أعرف بعض الطلبة ، وعلمني صنعة تقصيص أربع موزونات كل يوم وما أذكر من الأسماء عليها ، وبخورها ، وأحكمتها ؛ فجئت إلى سيدي محمد وأعلمته بذلك رجاء أن يأذن لي في ذلك . . . قال : فنهاني عن ذلك ؛ وقال لي : لا تفعل ذلك ؛ فإن [ 300 ] آكل ذلك إنما يأكل الحرام ، وطريقة شيخنا مولاي عبد اللّه هي كثرة الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فهي تدبيرنا وصنعتنا ؛ لأن من يدبر لا يحل له أكله حتى يقول له : هذه صنعة يدي ، وليست من المعدن ، والتقصيص من أكل أموال الناس بالباطل ؛ لأن الجني الذي يأتيه بذلك لا يؤمن ، ولعله يختطفه من أموال المسلمين ، ويطعمه الربا والحرام . . . » .