محمد بن جعفر الكتاني

333

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وسيدي الخياط الرقعي إلى أن توفي الشيخ ، وولى بعده ولده سيدي محمد ؛ فاستخلفه سيدي الحاج الخياط ، وتوقف صاحب الترجمة عن استخلافه ، وكان يقول : « ما توفي الشيخ مولاي عبد اللّه حتى قسم سره بيني وبين ولده سيدي محمد نصفين » . ولما قدم - رضي اللّه عنه - لفاس وكثر صيته ، واجتمعت عليه الخلائق ؛ وراموا الشروع في بناء الزاوية ، أو شرعوا ؛ سمع به الشيخ سيدي محمد بن عبد القادر الفاسي ، وكان مقعدا ؛ فأراد لقاءه والاجتماع به ، فبعث إليه ليجيء عنده تبركا به ، واعتذر إليه بإقعاده ؛ فقبل عذره ، وأتى إليه ، ففرح به سيدي محمد ، وجال معه في الكلام ، وجعل يسأله عن المقامات والطريق والمنازل ، مقاما مقاما ، ومنزلا منزلا ، وهو يجيبه عن كل مقام ؛ ويقول : « أنا فوق ذلك » . حتى سأله عن السماوات والأرضين ، وعن البحار وما فيهن ، وهو يجيبه ، ويقول : « أنا من الأبدال » ، ومرة : « أنا من الأجراس » ، ومرة : « أنا القطب » ، ومرة : « أنا الغوث » . . . حتى قال له سيدي محمد : « وهل رأيت البحر المكفوف ؟ ! » . قال : « نعم » . فقال له : « وهل فيه حوت » . فأدخل رأسه في طرف قشابته ويده ، ومكث قدر ما يقرأ القارئ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . ثلاث مرات ، ثم أخرج يده ورأسه من قشابته ، وقال له : « ليس فيه شيء من الحوت ، وإنما فيه شيء من الجران « 1 » ، مثل هذه » ، فنظر سيدي محمد ؛ فإذا بجران على كتفه صغار خضر ينزل مثلها مع الشتاء « 2 » ، واحدة واثنتان ، فبهت سيدي محمد ، وكان ذلك معدودا من كرامات صاحب الترجمة . وكراماته - رضي اللّه عنه - وأحواله وأخلاقه وأشواقه وأذواقه كثيرة ، وقد اشتهر النفع على يده لكثير من الفقراء والمريدين ، بل وللأشياخ الراسخين [ 294 ] ، والأفراد المحققين . وممن تخرج على يديه منهم : الشيخ الكبير ، والولي الشهير ، العالم العامل ؛ سيدي داود التواتي ، دفين توات ، والشيخ العارف سيدي أحمد بو السباع ، من أولاد أبي السباع حوز مراكش . والولي الصالح سيدي أبو سلهام الضعيفي المالكي ، دفين وادي ورغة ، وولده الولي الصالح سيدي الطاهر دفين قرب والده ، والشيخ الأكبر ، والولي الأشهر سيدي الحاج أبو القاسم اليازغي العتابي ، من آيت عتاب ، والشيخ الأستاذ سيدي عبد اللّه بن يخلف مؤلف مناقبه .

--> ( 1 ) الجران : ج . جرانة : الضفدعة . ( 2 ) الشتاء : المطر بالعامية المغربية .