محمد بن جعفر الكتاني

332

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - من أرسخ المحققين في علم الطريقة ، وأثبت العارفين بسير الحقيقة ؛ مستقيما على المحجة البيضاء ، مقتفيا آثار الشريعة السمحاء ، صادق النية ، عالي الهمة ، صحيح العزم ، وكان عالما عاملا ، ماهرا في أصول الدين وفروعه ، عارفا باللّه وبصفاته وأفعاله ، سالما مذهبه من شوب فرق المبتدعة وشبههم ، جاريا على مذهب أهل السنة رضي اللّه عنهم . وكان كلامه حسن المعنى ، بسط العبارة ، واضح المثال ، يزيح الإشكال ، لا يتعاصى فهمه على العوام - فضلا عن غيرهم - وكان يجالس علماء وقته ويسألونه عن المسائل ؛ فيجيبهم على البديهة بما يمتعهم ويفرحون بجوابه ، وكان من السباق وذوي الأسرار الربانية ، والأحوال والمواجيد الإلهية ، والجذب القائم والقلب الهائم ، يخبر بأخبار السماوات والأرضين وما فيهن ، وعن المقامات العرفانية ومواضع البر والبحر ، قريب الصرخة لمن يستغيث به . وكان لا يفتر لسانه عن الذكر ؛ وخصوصا عن قوله : « اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله صلاة تخرجنا بها من ظلمات الوهم ، وتكرمنا بنور الفهم ، وتكشف ما خفي وأبهم » . وكان يقول : « إن شيخي مولاي عبد اللّه الشريف كان يأمرني أن نكثر : من اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله صلاة أهل السماوات والأرضين عليه ، واجر يا رب لطفك الخفي علي » . وفي رواية عنه : « واجر - يا مولاي - لطفك الخفي في أمري » . وكان يكثر منها أيضا . وكانت له البركات الظاهرة ، والكرامات الوافرة ، ومن أهل الخطوة ، لا يبعد عليه شيء ، حتى قال بعضهم : « غيبته في السماء أكثر من حضوره في الأرض » ، وكان هو يقول : « واللّه إني لأعرف بالطرق في السماء بي من الأرض » . [ 293 ] وكان الشيخ سيدي قاسم ابن رحمون يقول : « لقد انقطع عنا خبر السماء منذ مات سيدي محمد ابن الفقيه » . وأثنى عليه بالولاية والمعرفة والخصوصية جماعة من الأولياء : منهم مولاي التهامي ، ومولاي الطيب ؛ وكان يقول فيه كما في " تحفة الإخوان " : « إنه من أكابر الأولياء ! » . وسيدي الحاج الخياط الرقعي ، وسيدي قاسم ابن رحمون . وكان أخذه - رحمه اللّه ، ورضي عنه - عن القطب مولاي عبد اللّه الوازاني ورباه صغيرا ، وكان يأتيه من قرية أزجن إلى وازان ؛ فيصلى معه صلاة الفجر ، ويلازمه يومه ذلك ، وينزل نفسه في خدمته إلى أن يصلي معه العشاء الأخيرة ، ويروح إلى منزله ، فكانت أمه تخاف عليه لذهابه ورواحه ليلا ؛ فجاءت إلى شيخه المذكور وقالت : « يا سيدي ؛ ولدي صغير ، وأنا أخاف عليه بالليل ! » . فقال لها : « إن خاف لا يأتي ، وإن أتى لا يخاف . . . » . فتركته واستأمنت ، ولم يزل في خدمته هو