محمد بن جعفر الكتاني
226
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
[ 154 - قاضي الجماعة الشريف مولاي محمد بن عبد الرحمن العلوي ] ( ت : 1299 ) ومنهم : شيخنا الشريف ، العالم العلامة الغطريف ، الحافظ المتفنن الدراكة المحقق المتقن ، قاضي الجماعة بفاس ونواحيها [ 205 ] ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد ( فتحا ) بن عبد الرحمن الفلالي المدغري الحسني العلوي . كان - رحمه اللّه - آية في الحفظ والإتقان ، والتحرير العجيب والتبيان ، سيدا كاملا ، تاجرا فاضلا ، كريم الأخلاق ، جميل المعاشرة والإرفاق ، سليم الصدر ، شهير الذكر ، موسوما بالخير والدين ، مصون الجناب من كل ما يشين ، حسن النية والاعتقاد ، في المنتسبين ونحوهم من العباد ، صبورا حليما ، لين الجانب رحيما . أخذ عن الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن الفلالي الحجرتي وغيره من فقهاء فاس وغيرها . وولي خطة القضاء بفاس ونواحيها يوم الأحد سابع صفر عام أربعة وسبعين ومائتين وألف ، وبقي قاضيا بها إلى أن توفي . وفي خلال توليته للقضاء بها سافر للحج والزيارة ؛ وذلك سنة اثنين وثمانين ؛ فحج وزار ، وقضى من منيته جميع الأوطار ، ثم رجع لفاس سالما من الضر والبأس ، ولم يحفظ عنه منذ ولي القضاء بها إلى أن توفي أنه قبض رشوة ، أو حابى في دعوة ، إلا أنه - رحمه اللّه - كان لا يبرم الأحكام ، ولا يقطع - في الغالب - بين المتنازعين الخصام ، بل لا يزال يردهما إلى أن يتصالحا أو يذهبا ؛ مع معرفته بظاهر الحكم وتضلعه في علم النوازل . وكان يعاب عليه ذلك فيقول : « إنه كثر الفجور ، والشهادة بالزور ، ولا أعرف المحق حقيقة من المبطل » ، ويحتج في ذلك بما ذكره الشيخ أبو علي في " شرح المختصر " عند قوله : « ونفذ حكم أعمى وأبكم . . . إلخ » ، ونصه : « فائدة : الحكم يجب فورا » ، ثم نقل عن البرزلي قال : « قضاء القاضي من باب تغيير المنكر ؛ فتجب الفورية فيه بحسب الإمكان ، وما ذكر عن بعض القضاة أنه يردد الأحكام ويطولها ؛ قد اعتذر عن ذلك بكثرة طلاب الباطل ؛ فيطول القضية حتى يقل الضرر ؛ فيكون من باب تقابل مكروهين ؛ فيرتكب أخفهما » . ه . لكن قال الشيخ أبو علي بعد ذكر كلام البرزلي هذا بتمامه : « قال كاتبه عفا اللّه عنه : وينبغي للقاضي أن يطول القضية إذا رأى مخايل الباطل من الخصم ، أو كان الخصم معروفا بالباطل ، وأما إذا لم يكن شيء من الأمرين ؛ فلا يؤخر » . ه . توفي صاحب الترجمة - رحمه اللّه - يوم السبت قبيل الغروب سابع وعشري رمضان المعظم عام تسعة وتسعين ومائتين وألف ، ودفن من الغد بالزاوية التي أحدثها بعض الشرفاء الصقليين ، قريبا من باب درب سيدي جلول ، من هذا الداخل ، وجعل عليه بها دربوز يزار به .