محمد بن جعفر الكتاني
197
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
كان - رحمه اللّه - من العلماء العاملين ، والأئمة المجتهدين ، ممن جمع بين شرف الجرثومة والدين ، وشرف العلم والعمل واليقين ، والأحوال الربانية الشريفة ، والمقامات العلية المنيفة ، والخوارق العظام ، والكرامات الجسام ، قوي الظاهر والباطن ، كامل الأنوار والمحاسن ، عالي المقام ، راسخ التمكين والمرام ، بهي المنظر ، جميل المظهر ، منور [ 180 ] الشيبة ، عظيم الهيبة ، جليل القدر ، شهير الذكر ، ذا صيت بعيد ، وعلم وحال مفيد ، وكلمة نافذة ، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عائدة . ولد سنة خمسين ومائة وألف بقرية عين ماضي ، ونشأ بها في عفاف وأمانة ، وحفظ وصيانة ، مقبلا على الجد والاجتهاد ، مائلا إلى العزلة والانفراد ، مشتغلا بالقراءة ، معتادا للتلاوة ؛ فحفظ القرآن وهو ابن سبعة أعوام ، ثم اشتغل بطلب العلوم حتى رأس فيها ، وحصل معانيها . ومن شيوخه فيها : العلامة العارف سيدي مبروك بن بو عافية المضاوي التجاني ، ثم ارتحل إلى ناحية المغرب لفاس وأحوازها سنة إحدى وسبعين ومائة وألف ، وهو ابن إحدى وعشرين سنة ، وسمع فيها شيئا من الحديث ، وبقي يجول بقصد الزيارة والبحث عن أهل الخير . وأول من لقي - حينئذ - من المشايخ الكمل : القطب مولاي الطيب الوازاني بوازان ، وتبرك به ، وأخذ عنه ، وأذن له في تلقين الأوراد ، إلا أنه امتنع من التلقين لاشتغاله بنفسه . ولقي - أيضا - القطب مولاي أحمد الصقلي ، إلا أنه لم يأخذ عنه شيئا ، بل لم يكلمه بشيء أصلا ، ولقي الولي الصالح سيدي محمد بن الحسن الوانجلي ، من بني وانجل من جبال الزبيب - بمحله ، وتبرك به ولم يأخذ عنه . ولقي بفاس : العارف باللّه سيدي العربي ابن عبد اللّه معن الأندلسي ، وتبرك به ، ودعا له بخير . وأخذ بها الطريقة القادرية على يد من كان يلقنها في ذلك الوقت ، ثم تركها بعد حين ، ثم أخذ الطريقة الناصرية عن الولي الصالح سيدي محمد بن عبد اللّه التزاني ؛ الشهير بالريف ، ثم تركها بعد حين أيضا ، ثم أخذ طريق القطب سيدي أحمد الحبيب السجلماسي الصديقي عن بعض من له الإذن فيها ، ثم تركها بعد مدة ، ثم أخذ عن أبي العباس سيدي أحمد الطواش - نزيل تازة ودفينها . ثم انتقل من المغرب قاصدا بلد الأبيض في ناحية الصحراء ، حيث ضريح سيدي الشيخ ، ومكث هناك خمسة أعوام مشتغلا بالقراءة والعبادة والتدريس والتلاوة ، وزار في خلالها بلده : عين ماضي ؛ دار آبائه . ثم ارتحل منها إلى تلمسان ، وأقام بها مدة يدرس فيها التفسير والحديث وغيرهما ، ويعبد ربه تبارك وتعالى ، إلى أن لاحت عليه بوارق الفتح ومباديه ، وظهر عليه من الخوارق ما دان له به شانيه ومعاديه ، وذلك أوائل سنة إحدى وثمانين ومائة وألف .