محمد بن جعفر الكتاني
198
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
ثم انتقل من تلمسان قاصدا الحج سنة ست وثمانين ، فمر بتونس ؛ فحبسته الأقدار هناك سنة كاملة ، ثم بعدها حج وزار سنة سبع وثمانين ، ولم يزل يبحث في طريقه عن العلماء والأخيار ، ويتبرك بهم في سائر النواحي والأقطار ، حتى تبرك [ 181 ] بعدد كثير منهم ، فلقي بزواوة الشيخ أبا عبد اللّه سيدي محمد ( فتحا ) ابن عبد الرحمن الأزهري ، وأخذ عنه الطريقة الخلوتية ، وهو أخذها عن الشيخ الحفناوي ، وبتونس الشيخ عبد الصمد الرحوي ، وبمصر الشيخ محمود الكردي المصري العراقي وأخذ عنه ، وأخذ - أيضا - بمكة عن الشيخ أبي العباس أحمد بن عبد اللّه الهندي المكي ، من غير ملاقاة له ، إنما كان الشيخ المذكور يراسله مع خادمه . قال في " جواهر المعاني " : « وهو معتمده في العلوم والأسرار ، والخواص والأنوار » ، ثم لما كان بالمدينة لقي بها القطب الشهير ، والعالم الكبير ، أبا عبد اللّه سيدي محمد ابن عبد الكريم الشهير بالسمان ، أحد تلاميذ سيدي مصطفى البكري الصديقي ؛ فأخذ عنه وتبرك به . ثم لما رجع من حجه ووصل تلمسان سنة ثمان وثمانين ؛ أقام بها مجتهدا في العبادة والدلالة على اللّه تعالى . ثم سافر منها إلى مدينة فاس بقصد زيارة قطبها وقطب المغرب بأسره مولانا إدريس رضي اللّه عنه ، وذلك سنة إحدى وتسعين ، فوصل إليها وزاره ، وبقي بها يتردد لزيارته مدة ، ثم رجع لتلمسان وأقام بها مدة ، ثم ارتحل منها لناحية الصحراء ، سنة ست وتسعين ، ونزل بقرية القطب الكبير سيدي أبي سمغون بالسين ، ويقال : بالصاد ، ثم سافر منها إلى بلاد : اتوات ؛ فلقي بعض الأولياء بها ؛ منهم سيدي محمد الفضيل ؛ بالتصغير ، وأخذ عنهم بعض الأمور الخاصة ، واستفادوا منه علوما وأسرارا في الطريق ، ثم رجع إلى قرية أبي سمغون وأقام بها واستوطنها ، وفيها وقع له الفتح الكبير ، وأذن له صلّى اللّه عليه وسلم في تلقين الخلق بعد أن كان فارا من ملاقاتهم ، وذلك في السنة المذكورة ؛ وهي سنة ست وتسعين . ثم لما كان رأس المائة الثانية عشر ، وهو بأبي سمغون ؛ وقع له الفتح الأكبر ، والمدد الأغزر ، على يده عليه الصلاة والسلام ، ومن هذا الوقت والأسرار والأنوار تترادف عليه ، والوفود من جميع النواحي تقصده وتأتي إليه . ثم انتقل من بلاد الصحراء من قرية أبي سمغون ، سابع عشر ربيع النبوي عام ثلاثة عشر ومائتين وألف ، قاصدا استيطان مدينة فاس ، وكان دخوله لها سادس ربيع الثاني من العام المذكور وفي محرم الحرام من السنة التي بعدها ؛ وهي سنة أربع عشرة ؛ حل رضي اللّه عنه مقام القطبانية الغوثية ؛ فنال بذلك من مطلوبه كل أمنية .