محمد بن جعفر الكتاني

132

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

توفي - رحمه اللّه - صبيحة يوم الأحد تاسع عشر جمادى الثانية عام ثمانية وسبعين ومائتين وألف . ودفن بالفناء المذكور قريبا من رجلي سيدي العربي . [ 53 - الإمام العارف الشريف سيدي محمد بن عبد الواحد الكتاني ] ( ت : 1289 ) ومنهم : الولي الصالح ، الشريف البركة الناصح ، العابد الذاكر ، القانت الشاكر ، ذو القلب الخاشع ، والنور الساطع ، والأخلاق الحميدة ، والشيم المرضية العديدة ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد بن عبد الواحد - المدعو : الكبير - بن أحمد الكتاني ، أحد الشرفاء الكتانيين المعروفين الآن بفاس . كان - رحمه اللّه - متبركا به ، دينا صالحا ، ذا سمت حسن ، وأخلاق طيبة . وكان له اجتهاد في الذكر والعبادة والقيام في الأسحار ، عظيم المحبة لقطب المغرب سيدنا ومولانا إدريس - رضي اللّه عنه - كثير الزيارة له ، كثير الملازمة لضريحه ، والصلاة فيه ، لا سيما في السحر ، لا يكاد يفارق فيه ضريحه أصلا إلا من مرض أو علة أو سفر . وكان يحضر مجالس الوعظ والتذكير ، والحديث والسير ، ويسرد في زاويته بحضرته عدة كتب من ذلك ومن كتب التصوف . وله أتباع وأصحاب يجتمعون معه في زاويته ، ويعقدون بها حلقة الذكر ، ويقرءون الأحزاب وغيرها ، ويأخذون من مذاكراته . وكان يمشي في السوق في جل الأوقات عاريا من الكساء ونحوه ، وفي بعضها يجعل على كتفيه رداء الكتان الرهيف ، وكانت له مشية حسنة ذات تؤدة وسكينة ووقار ، وله كف ألين من الحرير ، وكرم مفرط ، والغالب أنه لا يبيت عنده شيئا من الدنيا ، بل ما أفاء اللّه به عليه في كل [ 125 ] يوم يصرف منه على الأهل والعيال ما يحتاجون إليه ، وما بقي يتصدق به على الضعفاء والمساكين والأطفال ، هذه حالته دائما . وحج - رضي اللّه عنه - بيت اللّه الحرام ثلاث مرات ، وله رحلة في مجلد ، جمع له فيها ما وقع له في حجته الثانية ، ذهابا وإيابا ، ومن أخذ عنه فيها من علماء المشرق وغيرهم ؛ وهي المسماة " برحلة الفتح المبين في وقائع الحج وزيارة النبي الأمي الأمين " . وكانت حجته الثالثة مشتملة على نوع من خرق العادة ، وهو أنه : كان حين خروجه مريضا مرضا مخوفا يستبعد في العادة الخروج معه إلى السوق ، فضلا عن الحج ، ولم يكن يملك شيئا من الدنيا حين خروجه ، إنما أخرج معه نحوا من اثنتي عشرة أوقية فلوسا ، اشتراها بيضا من بعض الأعراب في الطريق ، واستصحب معه أحد أولاده ، فحجا وزارا على أحسن حال وأكمله ، ورجعا سالمين غانمين . فكان ذلك معدودا من كراماته .