محمد بن جعفر الكتاني

122

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان شديد التعظيم للشريعة ، عظيم الصولة في سد الذريعة ، لا يداهن ولا يرائي ، ولا يخشى إلا سطوة الباري ، ولم يشغله ما كان يعانيه من فصل الدعاوي بين الخصوم - على كثرتها - عن تدريس العلوم ، ولا عن الأوراد والأذكار ، التي كان يذكرها في الليل والنهار ، وكان قد أسند إليه والده ما عهد له به أشياخ الطريقة الناصرية من تلقين أورادها ، ثم جدد له الإذن بذلك شيخ تلك الطريقة : الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن يوسف ابن ناصر الدرعي التمجروتي . وله - رضي اللّه عنه - أجوبة حسنة في مسائل عديدة من أبواب الفقه وقفت عليها ؛ ومن المفاخر التي لا زال يذكر بها : أنه لما ضعف بصره عاده السلطان أبو الربيع مولانا سليمان بن محمد العلوي بزاوية والده تعظيما له وللعلم الشريف الذي قام به . ولم يزل - رضي اللّه عنه - على حالة مرضية ، وشارة حسنة زكية ، إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف ، ودفن بزاوية والده وراءه متصلا به . ترجمه صاحب : " الروضة المقصودة " ، إلا أنه لم يذكر وفاته لكونه كان حيا في وقته . . . واللّه أعلم . [ 42 - قاضي الجماعة سيدي العباس بن أحمد ابن سودة ] ( ت : 1241 ) ومنهم : ولده الفقيه الوجيه ، العالم المدرس النبيه ، ذو الأخلاق الكريمة ، والطباع الحسنة الجسيمة ، قاضي الجماعة بفاس ؛ أبو الفضل سيدي العباس بن العلامة سيدي أحمد بن شيخ الجماعة سيدي التاودي ابن سودة المري القرشي . قال في " الروضة المقصودة " : « نشأ في عز وعفاف ، متصفا بجميل الأوصاف ، لا يعرف لغير العلم طريقا ، ولا يتخذ من غير [ 116 ] أهله رفيقا ، يطأ الثريا بأخمصيه ، مشتغلا بالقراءة حتى بلغ في العلم أطوريه ؛ يلزم مجلس أبيه بدرا سنيا ، لا يصده عنه عذر بكرة وعشيا ، بذهن غواص ، وصدق في الطلب وإخلاص ، ويتردد لمجالس غيره ، رشفا من ديمه أو غرفا من بحره ، كثير المباحثة ، جميل المشاركة . ثم لما آنس من نفسه رشيد الفتح المبين ؛ عقد مجلسا للتدريس في كل يوم حينا بعد حين ، مقتصرا على مجلس أبيه ، ولا شك أنه عن غيره يغنيه ، وعلمه في جميع الفنون ينمو ، وقدره في سماء المجد يسمو : إن الهلال إذا رأيت نموه * أيقنت أن سيصير بدرا كاملا