محمد بن جعفر الكتاني

94

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وقد قال التاج السبكي في " معيد النعم ومبيد النقم " : « المؤرخون على شفا جرف هار ؛ لأنهم يتسلطون على أعراض الناس ، وربما نالوا من أناس تعصبا أو جهلا أو اعتمادا [ 91 ] على نقل من لا يوثق به . . . أو غيرها من الأسباب ، فعلى المؤرخ أن يتقي اللّه . . . » . انتهى . وقال الحافظ ابن حجر في جواب له ما نص المقصود منه : « الذي يتصدى لكتابة التاريخ ويقصد ضبط الوقائع يلزمه التحري في النقل ، فلا يخرج إلا بما يتحققه ولا يكتفي بالنقل الشائع ، ولا سيما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح . . . » . وقد أشار صاحب كتاب : " المعرب المبين عما تضمنه الأنيس المطرب وروضته النسرين " إلى التردد في صحة هذا الذي نقلوه عن هذا الإمام ، ثم أشار بعده إلى الاعتذار عنه بفرض صحته بما يقتضيه المقام ، فقال بعد ما ذكر أنه مات ندما على سقطة صدرت منه ما نصه : « قلت : فإن كان ما ذكروه من صدور تلك السقطة حقا ، ومما يشبه أن يكون صدقا ، فما حكوه من موته ندامة على ذلك هو الذي تقتضيه همته العالية ، ونفسه الأبية ، وشرفه القديم ، وفخره الجسيم ، ومجده الصميم ، رضي اللّه عنه » . على أنه لا يبعد - كما قال زروق في نصيحته - أن يكون للولي الهفوة والهفوات ، والزلة والزلات . . . زاد في قواعده : « لعدم العصمة وغلبة الأقدار » . انتهى . وقيل للجنيد : « العارف يزني يا أبا القاسم ؟ » . فأطرق مليا ، ثم رفع رأسه وقال : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً . [ الأحزاب : 38 ] ، يعني : إذا قدر عليه شيء في الأزل فلا بد من وقوعه منه . وفي " شرح الأربعين النووية " للشيخ عبد الرؤوف المناوي ما نصه : « حكي عن العارف الكبير أبي العباس المرسي أن رجلا من الأولياء نام عنده فزنى بجاريته تلك الليلة ثم اغتسل وخرج يمشي على وجه الماء في بحر إسكندرية ، فقال له يا سيدي ما هذا وذاك ؟ فقال : هذا عطاؤه وذاك قضاؤه . . . ! ! » . لكن الولي إذا قدر عليه شيء ؛ فإنه يفعله وهو حزين كئيب ، ويحصل له الندم عليه والتوبة في الحال من غير تأخر . وقد ذكروا في الفرق بين معصية الولي والفاجر أن الولي : لا يعزم عليها قبل فعلها ، ولا يصرح بها وقت الفعل ، ولا يصر عليها بعد فعلها . والفاجر ؛ ليس كذلك . وما ذكرت هذا الكلام إلا غيرة على هذا الجناب العظيم ، والمنصب الشريف الفخيم ، أن يدنس بما لا يليق ، أو ينسب إليه ما يتكدر به قلب المؤمن المحب ويضيق ، والواجب على جميع المؤمنين إذا