محمد بن جعفر الكتاني

83

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وقال في " الدر النفيس " : « بدايته - رضي اللّه عنه - هي نهاية غيره من الأولياء ؛ لأنه حاز عناية النبوءة وعناية الولاية ، ومن جمع بين هذين الوصفين ؛ حاز غاية الكمال ونهاية الوصال . قال : بل احتوى - رضي اللّه عنه - على ثلاثة أوصاف : العلم ، والنسب ، والولاية . . » . وقال - أيضا - في موضع آخر ما معناه ببعض زيادة : « إن هذا الإمام - رضي اللّه عنه - هو سلطان الأولياء ، ونخبة الأصفياء ، وصاحب المدد المحمدي الذي لا يعدله مدد ، والفرد الأحمدي الذي لا يوازيه أحد ، والشمس التي إذا طلعت لم تر للكواكب أثرا ، والأمير الذي إذا حضر لم يبق تصرف للوزراء . . . » . توفي - رضي اللّه عنه ونفعنا به - في أول شهر ربيع الأول - على ما ذكره الجزنائي في كتابه : " جنا زهرة الآس " ، وغيره - أو في الثاني عشر من جمادى الأخيرة - على ما ذكره البرنسي - سنة ثلاث عشرة ومائتين ، وهو ابن ست وثلاثين سنة على الصحيح ، وقيل ابن ثمان وثلاثين . بسبب أنه أكل عنبا فشرق بحبة منه وشهق شهقة ومات رحمة اللّه عليه . وقيل : إنه أكل عنبا مسموما ومات منه . ودفن - رضي اللّه عنه - بهذه البلدة بمسجد الشرفاء منها قريبا من دار القيطون بإزاء الحائط الشرقي منه ، هذا ما لهجت به ألسنة الكافة من الخاصة والعامة ، واتفق عليه جمهور المؤرخين ، وأجمع عليه أهل الكشف قاطبة ، وسواه لا يلتفت إليه ولا يعول أصلا عليه ، وروضته إلى الآن محل التعبد والتهجد بتلاوة القرآن ، والأذكار ، والصلاة والسلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والأدعية والصدقة وقراءة العلم . . . وغير ذلك من أنواع البر والطاعات ، في جل الأوقات ، وغالب الساعات . وأخبر غير واحد من الأولياء والصلحاء والعلماء الأخيار ، بل ومن العامة ؛ [ 81 ] بأنه يجد في بعض الأحيان عند قبره الشريف ، ورضته الشريفة ، رائحة طيبة زكية عظيمة ، تشق الأنوف والقلوب ، لا يشبهها عود ولا مسك ، ولا عنبر ولا غير ذلك من روائح الدنيا الطيبة ، وربما تخرج تلك الرائحة حتى تتجاوز الباب ، وتخرج إلى السوق فيشمها أهله ممن حاذى الباب ، وذلك في الأوقات التي لا يطلق فيها عنده بخور ولا غيره . وذكروا أن موضع قبره الشريف لم يكن معروفا على سبيل القطع والتعيين ، حتى اختبر أساس حائط القبلة من الجانب الأيسر ليصلح ، وذلك في رجب عام أحد وأربعين وثمانمائة ، فعثر حينئذ على قبره وجسده ، ووجد اللحد قد بلى فلم يبق منه إلا القليل ، والجسد المرحوم باقيا على حاله لم يتغير ، ولم يكن للأرض عليه من سبيل ، فكان ذلك من أعظم كراماته ، وأسنى باهر آياته . وكان بين وفاته وظهور جسده - كما ذكر - ستمائة عام وثمانية وعشرون عاما . على ما هو التحقيق في ذلك .