عبد الحي بن فخر الدين الحسني

29

نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر

لكهنؤ ، فلقيه أحد رجال السياسة وأكرمه ، وكان مأمورا من الدولة أن يجمع مائة رجال من الفرسان للعسكر ، ففوض إليه خدمتين من الخدمات العسكرية ، فتبرع بهما لرجلين من رفقائه ، وسار مع العساكر السلطانية ، فلما وصل إلى « بادية محمدي » ورغب السلطان إلى التنزه والصيد ، غاب ذات يوم عن رفقائه ، فاغتموا وظنوا أنه كان فريسة سباع ، حتى لقيهم رجل من أهل البادية ، وقص عليهم أنى رأيت رجلا وضيئا يلوح على جبينه علائم الرشد والسعادة وعلى رأسه جرة مآرنة يحملها ويذهب فرحان نشيطا مع فارس من فرسان العسكر ، وكان العسكري يقول : إنه وجدني في أثناء الطريق ، وكان مغى حمال ضعيف ، لا يستطيع أن يحمل إلا بشق النفس ، إلا أنه حملها خوفا منى ، فكان يبكى فتقدم إلى هذا الرجل وشفع له فقلت له : إني لا أستطيع أن أحملها فوق رأسي ، فإذا رق له قلبك ورثيت لضعفه فتقدم واحمل ، فرضى بذلك وحملها وكانت رفقته يعلمون عادته فعلموا أنه هو . قال السيد محمد علي بن عبد السبحان البريلوي صاحب « المخزن » إنه كان قبل غيبته يحرضنى على الترك والتجريد والإقبال على الآخرة ، ويقول : اذهبوا إلى دهلي ولازموا صحبة الشيخ عبد العزيز بن ولى اللّه الدهلوي واغتنموه ، فلما ظن أنى لا ألازمه في ذلك السفر ولا أرضى أن يذهب ويلقى نفسه في الخطر ، غاب عنى وذهب بنفسه حتى دخل دهلي ، فلما سمع الشيخ عبد العزيز المذكور أنه سبط الشيخ أبي سعيد وابن أخي السيد نعمان ، تلقاه ببر وترحيب ، وأسكنه في المسجد الأكبرآبادى عند صنوه عبد القادر وأوصاه به ، فتلقى منه شيئا نزرا من العلم ، وبايع الشيخ عبد العزيز وأخذ عنه الطريقة حتى نال حظا وافرا من العلم والمعرفة ، وفاق الأقران ، وأتى بما يتحير منه أعيان البلدة في العلم والمعرفة ، وكان ذلك في سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف . ثم غلب عليه شوق الجهاد في سبيل اللّه ، فذهب إلى معسكر الأمير المجاهد نواب مير خان ، ولبث عنده بضع سنين ، وكان يحرضه على الجهاد ، فلما