عبد الحي بن فخر الدين الحسني
486
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر
مختلفة ، وكل من قدم عليه يملى عليه الحديث المسلسل بالأولية برواته ومخرجيه ويكتب له سندا بذلك ، وأجازه بسماع الحاضرين فيعجبون من ذلك ، ثم إن بعضا من أفاضل علماء « الأزهر » ذهبوا إليه وطلبوا منه إجازة فقال لهم : لا بد من قراءة أوائل الكتب ، واتفقوا على الاجتماع بجامع « شيخون » بالصليبة كل يوم اثنين وخميس من كل جمعة ، فشرع في صحيح البخاري ، وصار يملئ عليهم بعد قراءة شئ من الصحيح حديث المسلسلات أو فضائل الأعمال ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه ، ويتبعه بأبيات من الشعر كذلك ، فيتعجبون من ذلك فازداد شأنه وعظم قدره واجتمع عليه أهل تلك النواحي وغيرها من العامة والأكابر والأعيان ، والتمسوا منه تبيين المعاني ، فانتقل من الرواية إلى الدراية ، وصار درسا عظيما ، وازدادت شهرته ، وأقبل الناس من كل ناحية لسماعه ومشاهدة ذاته ، ودعاه كثير من الأعيان إلى بيوتهم وعملوا من أجله ولائم فاخرة ، فيذهب إليهم مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملى وكاتب الأسماء ، فيقرأ لهم شيئا من الأجزاء الحديثية كثلاثيات البخاري أو الدارمي أو بعض المسلسلات بحضور الجماعة ، وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده ، وبناته ونسائه من خلف الستائر ، وبين أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة ، ثم يجتمعون كذلك بالصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم على النسق المعتاد ، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات واليوم والتاريخ ، ويكتب تحت ذلك « صح ذلك » وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمن السابق ، وطلب إلى الدولة العلية في سنة أربع وتسعين ، فأجاب ثم امتنع وطار صيته في الآفاق ، وكاتبه ملوك النواحي من تركيا والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق وملوك المغرب والسودان وقزان والجزائر والبلاد البعيدة ، وكثرت عليه الوفود من كل ناحية يستجيزونه فيجيزهم ، وقد استجازه السلطان عبد الحميد الأول ملك قسطنطينية ، فأجازه بكتب الحديث ، وكتب