عبد الحي بن فخر الدين الحسني
366
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر
شيخه المذكور تولى الشياخة مكانه ، فحصل له القبول العظيم وتكاثر عليه العلماء والمشايخ وعامة الناس من كل صنف وطبقة من العرب والعجم . وكان يشتغل بالنفي والإثبات كل يوم عشرة آلاف مرة وباسم الذات ما لا يحصى بحد وعد وبالاستغفار والصلاة على النبي المختار صلى اللّه عليه وسلم ما لا يستقصى ، وكان يقرأ القرآن الكريم قدر عشرة أجزاء كل يوم ، وكان يجتزئ في إفطار الصوم بالماء ، وفي النوم على الأرض ، واظب على ذلك خمس عشرة سنة حتى نال مرتبة قلما يبلغ إليها الناس ، قال أحمد ابن المنقى في « آثار الصناديد » إنه كان عجيبة من عجائب الدهر في الزهد والقناعة والتسليم والرضاء والتوكل والإيثار والترك والتجريد ، لم يتزوج قط ، ولم يبن دارا ، ولم يدخر شيئا من النذور والفتوحات ، ولم يلبس الثياب الفاخرة ، ولم يأكل الأطعمة اللذيذة ، بل كانت فتوحاته مصروفة على مستحقيها ، وكان يصلى صلاة الصبح في أول وقتها ، ثم يقرأ القرآن عشرة أجزاء ، ثم يتوجه إلى أصحابه ، ويلقى عليهم النسبة ، فيشتغل بها إلى صلاة الإشراق ثم يصلى ، ويتصدر للتدريس فيدرس الحديث والتفسير إلى الظهيرة ، ثم يأكل قدر ما يقويه على العبادة ، ويقيل اتباعا للسنة السنية ، ثم يصلى الظهر في أول وقته ، ثم يدرس الفقه والحديث والتصوف إلى وقت العصر ، ثم يصلى ويتوجه إلى أصحابه ، كما كان يتوجه إليهم أول النهار ، وكان يحيى ليله بالعبادة والقيام إلا قدرا يسيرا من النوم ، وكان نومه على مصلاه ، وقلما تخلو زاويته من خمسمائة رجل يأكلون من مطبخه - انتهى . وقال الشيخ مراد بن عبد اللّه القزانى في « ذيل الرشحات » : إنه كان قليل المنام ، وقليل الطعام ، فإذا رأى أحدا من أصحابه في نوم الغفلة وقت التهجد كان يوقظه ، وكان الأغنياء يرسلون إليه أطعمة مطبوخة بالتكلفات فلم يكن يأكل منها بل كان يكره أكلها للطالبين أيضا ، وكان يقسمها على جيرانه ، وكان يحيى أكثر الليالي بالذكر والمراقبة ، وكان نومه