عبد الحي بن فخر الدين الحسني

279

نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر

سجاياه الفاضلة الجميلة التي لا يدانيه عامة أهل زمانه قوة عارضته لم يناضل أحدا إلا أصاب غرضه وأصمى رميته وأحرز خصله ، ومن ذلك براعته في تحسين العبارة وتحبيرها والتأنق فيها وتحريرها ، حتى عده أقرانه مقدما من بين حلبة رهانه ، وسلموا له قصبات السبق في ميدانه ، ومنها فراسته التي أقدره اللّه بها على تأويل الرؤيا ، فكان لا يعبر شيئا منها إلا جاءت كما أخبر به كأنما قد رآها ، وهذا لا يكون إلا لأصحاب النفوس الزاكيات المطهرة عن أدناس الشهوات الرديئة وأرجلسها ، وكم له من خصال محمودة وفضائل مشهودة ؛ وجملة القول فيه : إن اللّه تبارك وتعالى قد جمع فيه من صنوف الفضل وشتاته التي فرقها بين أبناء عصره في أرضه ما لو رآه الشاعر الذي يقول : ولم أر أمثال الرجال تفاوتا * لدى المجد حتى عد ألف بواحد استبان له مثل ضوء النهار أنه وإن كان عنده أنه قد بالغ فيه فإنه قد قصر ، فكيف الظن بأمثاله أن يحسن عد مفاخره التي أكثر من حصى الحصباء ومن نجوم السماء ؟ انتهى ؛ قلت ولى اعتزاء إليه بطرق متعددة في العلم والطريقة أعلاها طريق الشيخ الإمام الحجة الرحلة مولانا فضل الرحمن بن أهل اللّه البكري المرادآبادى سمعت منه الحديث المسلسل بالأولية والمسلسل بالمحبة ، وطرفا صالحا من « الجامع الصحيح » للامام البخاري وهو سمع منه جميع ما ذكر ، كما أخبرني بلفظه ؛ وإني رأيت الشيخ عبد العزيز في المنام في أيام الطلب والتحصيل وكنت إذ ذاك في « كافپور » كأني طفل صغير في حجر شيخ كبير نقى اللون والثياب مهاب رفيع القدر كأنه أحد الأئمة من أجدادي فألعب في حجره تارة أقعد على ركبته ومرة أجلس بين يديه ، وهو يلاطفني كما يلاطف الآباء الأبناء ، حتى جاء رجل آخر وهو بين الكهولة والشيخوخة فألقى في