عبد الحي بن فخر الدين الحسني

127

نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر

ولكنه كان يرسل الناس إلى الحرمين الشريفين للحج والزيارة ويبذل عليهم العطايا الجزيلة ويبعث إليهما أموالا طائلة لأهل الحوائج في أيام الحج بعد سنة أو سنتين ، ويوظف الذاكرين والذاكرات ويجعل لهم الأرزاق السنية ، ويداوم على الطهارة بالوضوء ، ويحافظ على الأذكار والأدعية المأثورة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في غالب أوقاته ، ويحيى الليالي المتبركة بالصلاة والصدقة وصحبة العلماء والمشايخ في المسجد ، وكان يحترز عن كل سوء ومكروه منذ نعومة أظفاره لم يشرب الخمر قط ، ولم يقارب امرأة لا تحل له ، وكان لا يستمع الغناء بالمزامير منذ جلس على سرير الملك مع أنه كان ماهرا بالإيقاع والنغم ، وما كان أن يلبس الملبوسات غير المشروعة وما كان أن يأكل في الظروف الذهبية والفضية ، وأمر أن يصاغ الجواهر الثمينة في الحجر اليشب مقام الذهب ، ونهى الأمراء أن يلبسوا الغير المشروع ، وكان يمنعهم أن يتذاكروا بين يديه بكذب وغيبة وقول الزور وأمرهم أن يعبروا عن الأمور المستكرهة إن وقع لهم حاجة إلى ذلك بكناية واستعارة . وكان موزعا لأوقاته فوقت للعبادة ووقت للمذاكرة ووقت لمصالح العساكر ووقت للشكاة ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة عليه كل يوم وليلة من مملكته لا يخلط شيئا بشئ فإنه كان ينهض في الليل قبيل الصبح الصادق فيتوضأ ويذهب إلى المسجد ويصلى الفجر بجماعة ثم يشتغل بتلاوة القرآن والأوراد الموظفة ثم يجلس بدولتخانه ويتمثل بين يديه الأمراء المقربون ويحضر لديه ناظر العدلية ( داروغهء عدالت ) بجماعة من المتظلمين سواء كانوا من أهل دهلي أو من خارجها فيقضى فيهم بما يبدو له من الشرع أو العرف ثم كان يذهب إلى البرج المشرف على نهر « جمن » ويسمونه « جهروكهء درشن » على سنة أسلافه وبعد مدة من الزمان ترك ذلك فكان يدخل المنزل فيمكث به