عبد الحي بن فخر الدين الحسني
55
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر
ولما انتقل السلطان إلى السكنى على نهر گنگ وبنى هنالك القصر المعروف بسرگ دواره ( معناه شبيه الجنة ) وأمر الناس بالبناء هنالك طلب منه الشيخ شهاب الدين أن يأذن له في الإقامة بحضرة دهلي ، فأذن له أن يسكن بأرض موات على مسافة ستة أميال من دهلي ، فحفر بها كهفا كبيرا صنع في جوفه البيوت والمخازن والفرن والحمام وجلب الماء من نهر جون ، وعمر تلك الأرض وجمع مالا كثيرا من مستغلها ، لأنها كانت السنون قاحطة ، وأقام هناك عامين ونصف عام مدة مغيب السلطان ، وكان عبيده يخدمون تلك الأرض نهارا ويدخلون الغار ليلا ويسدونه على أنفسهم وأنعامهم خوفا من سراق الكفار ، لأنهم في جبل منيع هناك ، ولما عاد السلطان إلى حضرته استقبله الشيخ ولقيه على سبعة أميال منها ، فعظمه السلطان وعانقه عند لقائه وعاد إلى غاره ، ثم بعث إليه بعد أيام ، فامتنع من إتيانه ، فبعث إليه مخلص الملك الندربارى فتلطف له في القول وحذره بطش السلطان ، فقال : لا أخدم ظالما أبدا ، فعاد مخلص الملك إلى السلطان فأخبره بذلك ، فأمر أن يأتي به فأتى به فقال له : أنت القائل : إني ظالم ، فقال : نعم ، أنت ظالم ، ومن ظلمك كذا وكذا - وعدد أمورا منها تخريبه مدينة دهلي ، وإخراجه أهلها ، فأخذ السلطان سيفه ودفعه للقاضي كمال الدين وقال : إن ثبت هذا أنى ظالم فاضرب عنقي بهذا السيف ، فقال له الشهاب : ومن يريد أن يشهد بذلك فيقتل ؟ ولكن أنت تعرف ظلم نفسك ، فأمر بتسليمه للملك فكبه رأس الدويدارية فقيده بأربعة قيود وغل يديه ، وأقام كذلك أربعة عشر يوما مواصلا لا يأكل ولا يشرب ، وفي كل يوم منها يؤتى به إلى المشورة ويجمع الفقهاء والمشايخ ويقولون : ارجع عن قولك ، فيقول : لا أرجع عنه ، وأريد أن أكون في زمرة الشهداء ، فلما كان اليوم الرابع عشر بعث إليه السلطان بطعام فأبى أن يأكل وقال :