زينب فواز العاملي
53
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور )
ذلك الوقت من أصعب الأمور على الإفرنج أن يقابلوها ولا سيما الإنكليز ومن كانوا من ذوي قرابتها فبعث إليها مع رسول بالرسالة الآتية ترجمتها : سيدتي ، من سائح مثلك في الشرق وغريب في هذه الديار جاءها ليتأمل في مناظر الطبيعة وآثارها وأعمال اللّه فيها ، وقد وصل إلى سورية منذ مدة مع عائلته وهو يحسب يوما يتمكن فيه من مقابلة امرأة هي نفسها من عجائب الشرق الذي جاءه زائرا من أجمل أيام سياحته وألذها ، فإذا شئت أن تقابليني فاذكري لي اليوم الملائم لذلك وقولي لي أينبغي أن أتوجه وحدي أو يمكنني أن أسير إليك بجماعة من خلاني يرغبون مثلي كل الرغبة في التشرف بمقابلتك وأرجو يا سيدتي أن لا يكون هذا الطلب سببا لتكلفك ما يزعجك في عزلتك ، فإنني أعرف من نفسي قيمة الحرية ومحاسن الانفراد ، ولذلك لا يسوءني البتة رفضك مقابلتي بل أتلقى ذلك بالتوقير والاحترام إلى آخره . وفي 30 أيلول ( سبتمبر ) من السنة نفسها سار إليه طبيبها ودعاه إلى جون فذهب مع الدكتور ليوزدي والموسيو برسيقال ، ولما وصلوا نزل كل منهم في غرفة ضيقة لا نوافذ لها ولا أثاث فيها ولم يتمكنوا من مقابلتها حال وصولهم لأنها لم تكن تقابل الناس قبل الساعة الثالثة بعد الظهر ، فلما حان الوقت أتاه غلام أسود وأدخله غرفتها قال : وكان الظلام قد أسبل عليها ذيله فلم أتمكن بسهولة من أن أتبين هيئتها اللطيفة المؤذنة بالهيبة والجلال وذلك الوجه الأبيض الصبيح ، فنهضت وهي في زي الشرقيين ودنت مني ومدت إلي يدها مسلمة عليّ ، فأمعنت بها النظر وإذا فيها من لطف المعاني ما لا تستطيع السنون محوه . نعم إن نضارة الوجه واللون والرونق تمضي مع الفتوّة إلا أنه متى كان الجمال في القدّ وهيئة الوجه مع العظمة والجلال وطرأ عليه تقلبات باختلاف أزمان الحياة لا يزول تماما وهذا كله على لاري ستنهوب ، وكان على رأسها عمامة بيضاء وعلى جبهتها عصابة من الكتان أرجوانية اللون طرفاها مرسلان على كتفيها ، وعلى بدنها شال من الكشمير الأصفر وفستان تركي كبير من الحرير الأبيض كماه متدليان وهو مشقوق عند الصدر يظهر من تحته فستان آخر من نسج الفرس تتصاعد منه أزهار تكاد أن تصل إلى عنقها وهي مرتبطة بعضها ببعض بخرز من اللؤلؤ ، وكان في رجليها خفان تركيان أصفران وهي تحسن لبس ذلك جميعه كأنها تعوّدتها من صغرها وبعد السلام قالت لي : قد أتيت