زينب فواز العاملي
54
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور )
من مكان بعيد وكلفت مشاق السفر لترى ناسكة فأهلا بك وإنني قلما يزورني الأجانب فيراني منهم في السنة واحد أو اثنان في الأكثر ، غير أن مكتوبك أعجبني وودت أن أعرف إنسانا يحب اللّه والطبيعة والانفراد وذلك نفس ما أحبه ، ولاح أيضا نجمينا متحابين وأننا نتوافق في المشرب ويسرني الآن أني لم أخطئ في ظني ، وقد توسمت فيك عندما رأيتك أمورا تجعلني أن لا أندم على رغبتي في مشاهدتك ، وناهيك أنني لما سمعت وقع قدميك وأنت داخل خالجني نفس تلك الخواطر فاجلس ودعنا نتحدث لأنك قد صرت لي صديقا فقلت لها : يا سيدتي وكيف تشرفين بهذا اللقب رجلا لا تعرفين اسمه ولا سيرته ؟ قالت : نعم إنني لا أعرف حالك قدام اللّه ولا تحسبني مجنونة كما يسميني العالم في الغالب لأن صدري قد انشرح لك فلا أستطيع أن أخفي عليك شيئا وقد نشأ في الشرق علم ضاع الآن في بلادكم غير أنه لم يزل باقيا ، إلى الآن في البلاد الشرقية ، وقد تعلمته وأتقنته ، فإنني أرصد الكواكب وبذلك عرفتك حق المعرفة كأننا معا منذ قرن كامل مع أنني لم أرك إلا منذ بضع دقائق فقلت باسمها مهلا : يا سيدتي إنني لا أنكر ما أجهل ولا أثبت ما لا يوجد في الطبيعة المنظورة والغير المنظورة التي تتجاذب فيها الأشياء أو يرتبط بعضها ببعض كائنات كالإنسان دونه الكائنات الكبرى تحت سلطة كائنات أعظم منها كالكواكب والملائكة إلا أنني أحتاج إلى وحيهم لأعرف نفسي التي هي عبارة عن فساد وسقم وشقاوة ، وأما أسرار مستقبلي فأحب أن لا أعرفها وعندي أنني أجازف على اللّه الذي أخفاها عني إذا طلبت إلى مخلوق أن يوضحها لي ، فأمر المستقبل بيد اللّه وإني لا أعتقد إلا فيه وفي الحرية والفضيلة . قالت : ما لي ولهذا فاعتقد فيما يحلو لك ، أما أنا فأرى أنك خلقت تحت سلطة ثلاثة أنجم سعيدة قادرة صالحة فاعتقد مثل تلك الصفات ، وهي تشوّقك إلى غاية يمكنني أن أكاشفك بها الآن إذا شئت ذلك ، وقد أرسلك اللّه إليّ لأنير عقلك وأنت من الرجال الذين حسنت نواياهم وطابت سريرتهم ، ويهيّئك اللّه لإنفاذ الأعمال العجيبة التي يريد أن يجريها بين الناس ، وهذا جواب كاف . أطالت الكلام في هذا الباب وقالت لي : اعتقد كما تشاء أما أنا فعندي أنك رجل من الذين كنت أنتظرهم وقد أرسلتك العناية إلي وسيكون لك دخل كبير في العمل المزمع حدوثه وسترجع أوروبا إلا أن أوروبا قد مضى زمانها وبقي لفرنسا وحدها أن تقوم بعمل عظيم وستشترك فيه ولم أعلم بعد