زينب فواز العاملي

48

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور )

كما أسكرتهم بسموّ معانيها ، وكان سقراط الحكيم يعترف بفضلها عليه ويشهد بأنها هذبت أخلاقه وكملت معارفه . وبركليس زوجها كان ينسب إليها كل شهرته في الخطابة ، وقال : إنه تعلم منها البلاغة والسياسة ، وكان نساء أثينا يترددن في بيتها أيضا ويتعلمن منها التهذيب واللياقة ، وكانت الفنون الجميلة كالتصوير والبناء والنقش في أوج مجدها فعضدتها أسباسيا بيمينها وسعت جهدها في رفع شأن ذويها ولم تكن هذه الفاضلة من اللاتينيات ولذلك لم تحسب زوجة شرعية لبركليس لأن شريعة الأثينا كانت تحرّم على الأثينيين اتخاذ الزوجات من الأجانب إلا أن جمالها المفرط وسموّ عقلها وغزارة معارفها وكثرة فضائلها ألجمت ألسن الناس عن الطعن عليها زمانا طويلا والحسد - وقاك اللّه منه - عدوّ ألد لا يبهره الجمال ولا تتغلب عليه الفضائل ، فنفخ في آذان بعض ذويه فقاموا عليها واتهموها باحتقار الأثينيات وبلغت القبحة منهم حتى طعنوا في عرضها واتهموا معها آتكفوراس الفيلسوف وفيدياس النقاش فقتلوا أحدهما ونفوا الآخر نفيا مؤبدا وحامى بركليس عنهما بكل جهده فلم يستطع إنقاذهما ولما وصل الدور إلى إسباسيا صار كله ألسنة وبلاغة فدافع عنها في مجمع أرنوس باغوس وكان من أفصح أهل زمانه لسانا ، وأثبتهم جنانا ، وأقواهم حجة ، ولما عجز لسانه عن أقوال أربه دافع عنها بدموع عينيه حتى قيل إنه أنقذها من الموت بالدمع ولم يكن من ضعاف العزائم الذين تفيض دموعهم عند أخف النكبات ولا كان من المتعلقين بحبال الهوى المنقادين بزمام الشهوات ، فإنه لما فشا الوباء واختطف ابنته البكر وأخته وكثيرين من أقاربه تحمل هذه النكبة الشديدة بصدر أرحب من البيد ، وصبر أغزر من البحر ولم يسكب عليهم دمعة ولكنه لما رأى الفضيلة مهانة بإهانة زوجته والعفة والطهارة مهتوكة أستارهما ظلما وعدوانا لم يتمالك عن البكاء ، وكذا لما اختطفت أيدي المنون ابنته الصغرى وحمل إكليل الزهر ليكلل به جبينه غلبت عليه الشفقة الأبوية ففاضت دموعه رغما عنه . وكانت ولادة أسباسيا بملتيوس سنة 470 قبل الميلاد واقترن بها بركليس بعد أن هجر زوجته الأولى وانقاد إليها أشد الانقياد حتى قال أرستوفاينس : إنها هي التي حملته على إثارة حرب ساموس وبلويومتبسوس . ولكن فلوطرخس المؤرخ الثقة نفى عنها هذه التهمة ، وتوفي بركليس بالطاعون فتزوّجت أسباسيا