أحمد بن الحسين النائب الأنصاري

58

نفحات النسرين والريحان فيمن كان بطرابلس من الأعيان

وكان - رحمه اللّه تعالى - أخذ في التوجه إلى المشرق ليحج ووصل طرابلس فصرفه الدهر في بعض خدمتها فتكلم مدة إقامته بها بهذه الوتريات يصف اشتياقه ويطلب التخلص مما عاقه إلى أن تهيأ له السفر فانتقل عنها ، وحج وذلك سنة إحدى وثمانين ثم رجع ومات في طريقه وهو قافل - رحمه اللّه تعالى - ثم قال البكري في مسالكه : إن ( القيصر اسقاروس ) « 1 » هو الذي بناها ، وتسمى ( مدينة أناس ) « 2 » ، وبناء جوامعها من أحسن البناء وبها أسواق حافلة جامعة ، وحمامات كثيرة فاخرة ثم قال لما تكلم على سيرة أهل طرابلس : من أحسن خلق اللّه معاشرة وأجودهم معاملة وأبرهم بغريب . وقال الأستاذ الكبير العارف بالله تعالى أبو سالم عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر العياشي « 3 » المغربي رحمه اللّه تعالى في رحلته : إنها مدينة مساحتها صغيرة ، وخيراتها كثيرة ونكاياتها للعدو شهيرة ، ومآثرها جليلة ومعايبها قليلة أنيقة البنا فسيحة الفنا عالية الأسوار متناسبة الأدوار واسعة طرفها إلى ما جمع لأهلها من زكى الأوصاف ، وجميل الاتصاف ، وسماحة من المعتاد زايدة وعلى المعافين بأنواع المبرات عائدة لا تكاد تسمع عن أحد من أهلها لغوا إلا سلاما ولو لمن استحق ملاما سيما مع الحجاج الواردين ومن انتسب إلى الخير من الفقراء العابرين فإنهم يبالغون في إكرامهم ولا يألون جهدا في إفضالهم عليهم وإنعامهم فجزاهم اللّه خيرا وأعانهم وسائر بلاد المسلمين أجمعين . وقال الإمام الكبير والطود الشهير محمد بن عبد السّلام بن عبد اللّه بن محمد بن محمد ابن ناصر في رحلته : وبالجملة فهذه البلاد أنيقة في بحار الجمال والحسن غريقة أعطي سكانها الشجاعة والنهاية في الحزم والبراعة أشربت قلوب الكفرة منها مهابة ما أرادهم أحد بسوء إلا واللّه تعالى كالملح أذابه أمطر اللّه عليهم سحائب الرحمة ودمر أعدائهم من سائر الكفرة والظلمة تراهم يحبون من هاجر إليهم ، ولا يألون في إسدائهم ، وإكرامهم تسمح

--> ( 1 ) ورد في معجم البلدان أن الإمبراطور أشباروس قيصر هو الذي بنى هذه المدينة . ( 2 ) عند ياقوت إياس . ( 3 ) طبعت هذه الرحلة عدة طبعات .