أحمد بن الحسين النائب الأنصاري

46

نفحات النسرين والريحان فيمن كان بطرابلس من الأعيان

الحركة السنوسية في ليبيا ابتداء من سنة 1837 م ليس هذا التاريخ الذي ذكرناه في العنوان هو تاريخ ميلاد الحركة السنوسية في ليبيا ، وإنما هو تاريخ ميلادها في الحجاز ، فإن محمد بن علي السنوسي - كما سنرى من تاريخ حياته - أقام سنوات طويلة في الحجاز وجاور في مكة دهرا ، وفي أثناء هذه الإقامة اختمرت في ذهنه ونضجت في قلبه فكرة إنشاء الطريقة الصوفية السنوسية ، والتف حوله المريدون وأنشأ الزاوية الأولى لطريقته على جبل قبيس سنة 1837 م فاعتبرنا هذا التاريخ تاريخ ميلاد الحركة الصوفية كلها . والسنوسية طريقة صوفية تنتمى إلى ما سميناه بالصوفية المجاهدة ، فإن الحركة الصوفية في الإسلام تتوزع في أربعة فروع : الأول : هو الصوفية الفكرية ، وهم جماعة الصوفيين الذين اكتفوا بالزهد في الدنيا وابتكار الآراء الصوفية التي تقرب من الفكر الفلسفي ، وهذه هي صوفية عبد الكريم القشيري ومحيي الدين بن عربى وابن سبعين ومن إليهم من الزاهدين المسلمين أصحاب المؤلفات المشهورة مثل الفتوحات المكية ، وهذه المؤلفات استغراق في الفكر الزهدى الإسلامي ، ولكنه اتجاه يقتصر أمره على الزاهد نفسه فهو لا يكوّن مذهبا أو مدرسة أو طريقة وإنما هو زاهد مفكر مستغرق يعجبنا بشطحاته وأفكاره ولكنه لا يترك في عالم الإسلام أو تاريخه أثرا واضحا إلا في مجالات الفكر . والفرع الثاني : هو الصوفية العاملة ، وهو اتجاه صوفي ابتكره أحمد الرفاعي العراقي صاحب الطريقة الرفاعية المنتشرة في العالم الإسلامي كله ، وكان الرفاعي يرى أن الزهد مع الانزواء عن الناس والتفرّغ للعبادة لا يجدى ؛ لأن الزاهد على هذه الطريقة لا ينفع أحدا ولا نفسه ، وقد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الكسل والانزواء والانقطاع عن الدنيا وقال ما معناه : « إن صبر المسلم على مجالسة المسلمين ساعة خير من عبادة عام » ولهذا فقد كانت الرفاعية دائما في خدمة المسلمين وخاصة الأيتام والأرامل والضعفاء وكان الرفاعي نفسه جوالا