أحمد بن الحسين النائب الأنصاري

9

نفحات النسرين والريحان فيمن كان بطرابلس من الأعيان

شئ ، ولم بنشئوا فيها شيئا ذا فائدة ، بل هم لم يبنوا مسجدا واحدا ولكنهم - ودون أن يشعروا - آذوا أهل برقة وطرابلس أذى بالغا ، فقد كان الناس هناك زناتية ( لوانة وهوارة ونفوسة ) فأتى الفاطميون بالكتاميين ، وهم من البرانس المعادين للزناتيين وحكّموهم في رقاب الناس ، والكتاميون كانوا يرون أنهم أصحاب الدولة الفاطمية ، وكانوا قوما بدائيين فيهم عنف وقوة ونزوع إلى السلطان ونهم إلى المال والنساء ، ولهذا فقد والوا الغزوات على برقة وطرابلس حتى كسروا شوكتهم وأقفروهم بتوالي القتل والسلب والنهب فاستكانوا في النهاية ، أما جبل نفوسة فقد وجدوا من أهله الإباضية مقاومة عنيفة جدّا فاكتفوا منهم بالطاعة الأممية وكان الإباضيون - وهم أهل الجبل - قد آنسوا من الكتاميين هذا الجشع فلجأوا إلى تخفيف غلواء الفاطميين ورجالهم من كتامة فتركوا لقب الإمام الذي اختص به رئيسهم واكتفوا له بلقب الرئيس الذي يقوم بكل مهام الحكم ، وولوا على أنفسهم أبا عبد اللّه بن أبي عمرو حفيد الإمام إلياس بن منصور النفوسى ، ورغم ذلك كله فقد قام القائد الفاطمي علي بن سليمان بمهاجمتهم وكسر شوكتهم في معركة جادو في شعبان سنة 311 ه / 923 م ونهب وقتل وسبى فلان القوم وخضعوا ، وبذلك اطمأن الفاطميون إلى خضوع ليبيا كلها ( عدا فزان ) سياسيّا وسهل الطريق من إفريقية إلى مصر ، وهذا كان غرض الفاطميين . ومضت جيوشهم تخترق هذا الطريق ذهابا وجيئة دون أن يلقوا من الناس أي مقاومة ، ولكن ليبيا افتقرت وذلت وفقدت رخاءها القليل الماضي ، والإباضية فقدوا عزة نفوسهم التي طالما كانت مفخرتهم ، واطمأن الفاطميون من ناحيتهم ، وعلى طول العصور الوسطى كانت سعادة الحاكم معناها شقاء الرعية ، لأن الرعية الشقية فقيرة كسيرة الجناح لا حول لها ولا طول والحاكم يصنع بها ما يشاء ، وهذا - في ذاته - كان سببا رئيسيّا من أسباب ضعف دول الإسلام . وبلغ يأس أهل طرابلس وعجزهم عن المقاومة أنه عندما قام واحد من أهلها وهو ابن طالوت القرشي تنكروا له ورفضوا إيواءه إيثارا للعاقبة ، وانتهى أمره أن قتلوه وأرسلوا