أحمد بن محمد الخضراوي

215

نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه

ومن جملة مناقبه - حفظه اللّه - كان يخرج ماله في الجود والجهاد ، ورعاية الوفّاد والقصّاد ؛ وكان ملازما على الوفاء ، يكاتب كل صاحب ومحب وسفير ، من ملك وصغير وكبير وفقير ، يعظم كل أحد ، ولا يخرج فيه عن الحد ؛ وكان يغضب للكبائر ، ولا يغض عن الصغائر ، ويرشد إلى الهدى ، ويهدي إلى الرشاد ، ويسدد الأمر ؛ ويأمر بالسداد ؛ فكان مماليكه وخواصه ، بل أمراؤه وأجناده أعفّ من الزهاد والعبّاد . ولقد أخبرني سنة ست وثمانين ومئين وألف بدمشق الشام حين وفدت عليه بها أنه حين عمل الهدنة الأولى الآتي ذكرها مع القرنسيس ، فكان قبل الهدنة أسلم رجل نصراني ، ثم بعد الهدنة ارتد وهرب إلى عرضي الفرنسيس فغضب السيد المذكور ، وأرسل إليهم كتابا يقول : إن لم ترسلوا لنا هذا المرتد نجري عليه أحكام شريعتنا ، وإلا الصلح بيننا منقوض ؛ فقيدوه وأرسلوه من حينه ، فأمر بضرب عنقه . وكان محافظا / على الخمس صلوات في أول أوقاتها ، مواظبا على أداء مفروضاتها ومسنوناتها ، فما رأيته صلى إلا في جماعة ، ولم يؤخر له صلاة من ساعة إلى ساعة . ولما كنت معه بالطائف سنة إحدى وثمانين ومئتين وألف - وكان في سنة ثمانين قدم إلى الحج ، ثم بعد أن قضى مناسكه جاور سنة إحدى وثمانين بالطائف ومكة - كنت ربما بتّ معه الليالي العددية ، وهو يذكر اللّه في كلها ، ويصبح يصلي الصبح بوضوء العشاء ، وأتا أترقبه في ذلك كله . وكان له إمام راتب ملازم مواظب فإن غاب يوما صلى به من حضره من أهل العلم إذا عرفه متقيا متجنبا للكبائر ، وإلا تقدم فصلى بمن حوله ، وكان يأخذ بالشرع ويعطي به ، وينفق من حلّ المال وطيّبه ، ويتجود بالموجود وبالمعدوم ، في الحال رجاء الوجود ، فما يتجدد جدّة إلا يستوعبها إنجاز الوعود ، ولم يكن