أحمد بن محمد الخضراوي

216

نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه

إلى المنجم مصغيا ، ولم يزل لقوله ملغيا ، فما عنده منجما لمن جاء يمين المنجمين « 1 » ، ولا قبول لمنطق المنطيقين ، فلا يفضّل يوما على يوم ، ولا زمانا على زمان إلا بتفضيل الشرع واستقصاء الدين ، في كل قاص ودان ، ولا يتعيف ولا يتطير ، ولا يدين وقتا ولا يتحير ، بل إذا عزم توكل على اللّه ، وأقبل على محكم أمره ، وأعرض عن مظانّ الاشتباه ، فكم فلّ سيفه ذا الغلسة ودل بمعروفه على المعرفة ، ولا زال ناصرا للتوحيد ، قاهرا جميع أهل البدع بالتبديد ، مستجلبا سناء السنة ، مستحليا جنى الجنة . مالكي المذهب ، ولم يتعصب ، وربما تابع التشديد ، وأخذ بالعزائم في كل ما جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأخذه بعزائم الأمور أكثر ، وجمعت مرة وراه / المغرب والعشاء للمطر بدمشق الشام فجلت معه في بعض مسائل الفقه فقال لي : لقد رزقني اللّه عدم التعصب في كل حال . يدني أهل التنزيه ، ويقصي أهل التشبيه ، ويديم استفادة فقه الفقيه ، واستزادة نباهة النبيه ، ووجاهة الوجيه ، فالعاملون في عدله ، والعالمون في فضله ، وجملة من البرية في بر فيضه ، وشرعة الشريعة صافية بصفائه ، ومادة المودة له وافية بوفائه . ولقد رأيته سنة ست وثمانين ومئتين وألف بدمشق الشام ، في رحلتي الثانية أجد الخلائق ينتظرون صباحه ، ويرتجون رباحه ، تقدم له العرضحالات فيأمر بإجراء الإنصاف فيها ، وربما وقف للأرامل وأزال ما بهن من ضر الأنامل من حينه ثم يبكي وتنزل دموعه رحمة لهن « 2 » . ويعطي السائلين ، لا يرد سائلا ، وربما اقترض ممن معه من أتباعه الكرّة بعد المرة ويعطيهم ، ووجدت الوفود في داره من سائر البلدان والناس مقبلون

--> ( 1 ) المين : الكذب ( 2 ) في الأصل المخطوط : « . . . وأزال ما بهم من ضر . . . رحمة لهم »