أحمد بن محمد الخضراوي
213
نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه
وصار كل قبيل يقاتل ويحارب جاره ، وانقطعت الطرقات ، وكثرت الفتن في سائر الساعات . اجتمع حينئذ أهل الحل والعقد ، علماء وأشراف ورؤساء القبائل من كل غضنفر إشراف ، وتكلموا فيما بينهم على أن ينظروا من يكون جامعا لشروط الإمامة فيقدمونه ويبايعونه ليقوم بمصالحهم لسد الثغور وتجهيز الجيوش لمناضلة أعدائهم ، ويكونون أمامه ، فتواثقوا وترابطوا وتعاهدوا على ذلك . ثم إنهم نظروا وتفكروا في أهل الوطن / فلم يروا مثل السيد محيي الدين علما وحسبا وصلاحا ، وهو والد السيد المذكور ، فقدموا على حضرته ، وطلبوا منه ذلك راغبين شاكين ما هم عليه من سوء الحال ، فامتنع من قبول المبايعة ، وبقي نحو سنتين يجاهد معهم هو وأولاده وذووه ، فبقوا بكررون عليه أمر البيعة وهو يعتذر لهم بأعذار ، منها كبر سنه ، فلما كثر منهم الطلب والتردد نظر في كتب الشريعة فرأى أن الأمر متعين عليه ، لكون الناس تبعا له عليه ، وعلى أمره ونهيه ، فنظر بنظره الصائب فرأى أن ابنه الأمير سيدي عبد القادر محصلا لشروط الإمامة التي هي الإسلام والعدالة والذكورية والحرية والبلوغ والعلم والعقل والشجاعة ، فلا يضعف عند لقاء عدو ، أو إقامة حد من حدود الشريعة ، ذا رأي وسياسة بتدبير الحرب والسلم . فقدمه لذلك فقبله أهل الوطن لما رأوا من شجاعته في الحروب فاجتمعوا « 1 » كلهم في مدينة يقال لها أم العساكر بتلك الناحية ، وهذه صورتها : « بسم الله الرحمن الرحيم نبيعك لله ولرسوله ، ولإقامة دينه ، على أن تسلك السبيل المستقيم ، وتقيم حدود الدين القويم ، « ( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ . . . ) » الآية « 2 » ، نبايعك
--> ( 1 ) في الأصل المخطوط : « فاجتمع » ( 2 ) الآية 10 من سورة الفتح