أحمد بن محمد الحضراوي

351

نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه

ومن المناسبات اللطيفة أنه ضاق به الحال بالمدينة المنورة ، وكلما أتى للدنيا من جهة تجذبه عنها أخرى . ومن عادة أهل المدينة المنورة أنهم يعتنون بقراءة مناقب الصحابة والأولياء ليلة أحوالهم الشهيرة ، ويجتمعون لذلك ، وكان إذ ذاك دليوار باشا الطواشي الحبشي متوليا مشيخة الحرم النبوي ، ورفعة آغا كان نائب الحرم أيضا ، فاجتهد الشيخ حسنين المذكور في أن جمع لسيدنا بلال الحبشي ، صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مناقب في كراسة ، وذكر فضله وفضل الحبشة ، وفضل أجناس الحبوش ، وميزهم ، وجعل جنس دليوار باشا أنهم المقدمون في الفضيلة وشرف النفس ؛ ثم دخل على الباشا المذكور ، وكان قبل ذلك لا يعبأ به لفقره ، فبعد أن سلم وجلس قال له الشيخ : أفندينا ، لأي شيء أهل المدينة المنورة يعتنون بمناقب الصحابة ؟ وجدّكم سيدنا بلال لا يعتنون به ، وليس له مناقب مختصة مستقلة ؛ فقال له الباشا المذكور : عجبا ، ذكّرتني ، لم ذلك ؟ وأقبل عليه بالكلية . قال له الشيخ : ولكني فعلت ذلك ، واجتهدت / فسرّ الباشا المذكور ، وجمع لذلك كافة أهل المدينة ، وجعلها ليلة عظيمة ، بالشموع والزينة ، وجمع أغوات الحرم الشريف ، وخلع عليه خلعة سنية ، وصرة بهيّة ، ورتّب له ما يكفيه « 1 » وأعطاه بيتا سكن فيه ، وأقبلت عليه الدنيا بحذافيرها « 2 » ، ولا يخفى ما في فضل الحبوش

--> ( 1 ) أي قرر له راتبا شهريا . ( 2 ) الحذافير : ج حذفور ، وهو الشيء الكثير ، ويقال : أخذ بحذفوره وبحذفاره وبحذافيره : أي بأسره وبجوانبه أو بأعاليه ونواحيه .