محمد الحفناوي
55
تعريف الخلف برجال السلف
منه وهو يغني ويضرب برجله الأرض ، ويكتب في هذه الحالة ما شاء ولا يغلط ، ولا يلحن ، وأخبرني بعض من كتب عليه أن من غريب ما شاهد من حاله ، أنه كان يهوى شابا من أولاد الجند بطرابلس ، كان يكتب عليه وكان آخر ما تمثل به ، ومات عقبه سنة خمس وثلاثين وسبع مائة ( 735 ) قول الصاحب ابن عباد : يا من وهبت له نفسي فعذّبها * ورمت تخليصها منه فلم أطق أدرك بقيّة نفس فيك قد تلفت * قبل الممات فهذا آخر الرّمق [ 35 ] إلى أن قال : وليكن هذا ما وقع عليه الاختيار وطابت به لابن أبي حجلة حين سقط بمصر أوطار ، وكيف لا وقد سقطت منه على الخبير ، وأتيت من أخبار من غفر اللّه لنا ولهم بالجم الغفير ، فشهداؤه من أعيان المشاهد ، وقتلاه وإن اختلفت أسباب موتهم داؤهم واحد ، ففي ذلك والحمد للّه كفاية ، وإن كان التقصير قصرا غير مقصود عن الغاية ، على أن في رحلتي نشر العلمين في زيارة الحرمين ما هو كفص الخاتم لهذه الخاتمة ، والأمواج العظيمة لهذه الأبحر المتلاطمة ، لا جرم أني لم أذكر من أخبار أهل الحجاز إلا ما أشار إليه هذا الكتاب ببيان بيانه ، وبدا من ورقه وقلمه على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، فكم في الرحلة المذكورة في ذكر من مات على هذه الصورة من أخبار متيم امتنع من هجوعه ، وأصبح غريقا بسحاب دموعه . وقال بعد ذلك : لدى سمرات الحيّ برق يسامره * يذكّره بالثّغر ما هو ذاكره يذكّره عهد العذيب وما حوى * على حاجر سالت عليه محاجره إذا ما بدا البرق اليماني لعينه * فما هو إلّا وشيه وحبائره سقى السّفح من ذيل المقطّم عارض * تعارضه من دمع عيني مواطره