محمد الحفناوي
54
تعريف الخلف برجال السلف
أن ناصر الدين محمد بن يكتوب ، أحد كتاب المنسوب المعروف بالقلندري ، كان يهوى مغنية لا تزال زرموزتها معه ، في كيس حرير أطلس معلق في رقبته تحت ثيابه ، فإذا حضر في مجلس ولم يتفق حضورها فيه أخرج الزرموزة من الكيس ووضعها قدامه ، وجعل يبكي فإن لم يتفق له بكاء شديد أنشد : لا متّعت عين محبّ بما * يسرّها إن هي لم تسجم ثم إنه يأمر من حضر بربط رجليه وضربه عليهما حتى يبكي . انتهى ما أخبرني به القاضي كمال الدين . قلت : ولهذا البيت المتقدم حكاية غريبة وهي ما حكاه المسترد عن النميري أن رجلا قدم على الملك كسرى أنوشروان ، وكان عالما بجميع الفلسفة وعلم الموسيقى ، فعجب الملك من كمال أخلاقه المحمودة ، فحبسه عن وطنه مدة من دهره ، فشكا إليه غلبة الوجد وطول الكمد ، بإلف فارقه في بلدة ، فمطله كسرى بالإذن ، وحمله على التسويف ، فبينما هو على هذه الحالة إذ قدم عليه رجل من بلده ، ونعى إليه حبيبه ودفع إليه خاتمه ، فإذا فيه كتابة بالهندية ، فترجمت لكسرى فإذا هي كلام موزون بالموسيقى ، يشاكل من الشعر العربي : لا متّعت عين محبّ بما * يسرّها إن هي لم تسجم على حبيب تلفت نفسه * من التّباريح ولم يضرم فلما قرأها لم يملك نفسه خوفا وجزعا ، فأسعدته عينه اليسرى ولم تسعده اليمنى ، فأقسم أن لا ينظر بها ما عاش في الدنيا إن لم تسعده بالبكاء على حبيبه ، وهي أقوى حاسة من اليسرى ، فكان يسمى الصابر . ( قلت ) : ومن غريب ما يحكى أن ناصر الدين القلندري المتقدم ذكره كان يضع المحبرة في يده الشمال ، والمجلد من الكتاب على زنده ، ويكتب