محمد الحفناوي

459

تعريف الخلف برجال السلف

وما عداهما لهو ولغو ، فأجابه أحدهم بأدب واحتشام يا سيدي إنما أردنا التبرك بكم ، واقتباس بعض الحقائق منكم ، وكان صاحب الجزائر رئيس هذه الحفلة في المسجد الأعظم من أهل الدين المتين والاعتقاد المكين ، فنطق الشيخ رضي اللّه عنه ونفعنا به وحدثهم بما كانت تحوم حوله أرواحهم وتطوف به عقولهم ، ولكن لا تناله إلا بالمشافهة من أضرابه الذين تعلقوا بمن عنده مفاتح الغيب ، وتخلقوا بأخلاق رسوله المحبوب صلّى اللّه عليه وسلم . وكان الشيخ قدس اللّه روحه ونوّر ضريحه يأتي في كلامه بجواب كل مسألة أضمروها له ، ويلتفت إلى صاحبها منهم متبسما إشارة إلى أن ضميره عند القوم من قبيل الظاهر ، وأن كاتم سره عنهم كأنه مجاهر ، وإذ ذاك بادروا إلى الأخذ عنه وفي مقدمتهم كبيرهم ، فلقنهم ونصبوا الحضرة بذكر كلمة الشهادة عددها المعلوم في الورد الخلوتي ، ودعاه الباشا لمنزله وبقي عنده أياما لقّن فيها أهله وبنته وأقاربه ، وعند انصرافه أتاه بحصة من الدنانير فأظهر له البرهان على أنه في غنى عن الدنيا ، ولما أكثر من محاولته على قبولها قال : لا إله إلا اللّه مرة فسقط من السقف عدد من الذهب ، وثانية فسقط عدد آخر ، فاستسمحه [ 47 ] الباشا واعتذر ، فقبل عذره وانصرف إلى محله . واشتهر أمره في القطر الجزائري ، وأتاه رجال كثيرون ، قدم منهم من قدم ، وانتشر ورده بين الناس ، ولم يزل يعمر قلوبهم باللّه إلى أن لقي اللّه تعالى في آيت إسماعيل ، فأقبر بها ونقله أهل الجزائر ذات ليلة خفية إلى ضريحه بقرب الحامة ، ففطن أهله لنقله وعزموا على رده وآل الأمر إلى النزاع ، وانفصلت النازلة بوجوده في قبره عندهم أيضا ، فسمي من يومئذ بأبي قبرين ، الأول في جرجرة ، والثاني في الجزائر ، وكلاهما مزار متبرك به ، وفي كل سنة تقصده الركبان من العروش عند الحصاد وعند الحرث ، وحوله روضة