محمد الحفناوي

311

تعريف الخلف برجال السلف

[ 204 ] حيث سئل بقوله : قال مالك كذا ، كما في الأسمعة والروايات ، وهذا عين التقليد وليس في شيء من الاجتهاد ، فإن قلت : لعله إنما أجاب به قبل نظره لعجزه ؟ قلت : لا يجوز التقليد قبل النظر على الصحيح لآية فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ « 1 » ومن أمكنه الرد إليه تعالى فتركه عصى ، وإنما ينظر ذلك عند العجز ، وأجوبته هو بقول مالك كثيرة ، بل لا يضيف لنفسه إلا عند خروج مالك عن قواعده واختياره هو أحد أقوال مالك وإن لم نقف نحن عليه كما يأتي ، فان قلت : ولعل سائله إنما سأله عن مذهب مالك فقط ، قلت : علمنا جوابه بذلك مطلقا سواء عين له السائل ذلك أم لا بدليل إطلاق الأسئلة عارية عن ذلك ، ولئن سلّم فسؤالهم إياه عن مذهب مالك على اعتقادهم فيه أنه خزانة مذهب مالك وناشر أقواله ، فهذا دليل تقليده ، إذ المجتهد إنما ينظر في الأدلة مطلقا ، وأيضا فسؤال المجتهد عن مذهب غيره نادر جدا ، وأيضا فلم لا يسأل عن مذهب غير مالك ، وما وجه الخصوصية به ، وأيضا فعادته في جوابه عن مسائل لا تحصى أن يقول : لأن مالكا قال كذا في كذا ، وقد قال مالك كذا ، فيحتج لصحة قوله بقول مالك ، وأنه جار على مذهبه ، وإنما جواب المجتهد بالدليل لا بقول أحد ، ويقول : لولا ما قاله مالك لقلت كذا ، فيترك مقتضى الدليل لقول مالك ، وهذا غاية التقليد . وقد نقل صاحب « الاستيعاب » عن ابن وهب وأحمد بن حنبل أنهما قالا : إذا لم نجد أثرا قلدنا قول مالك ، لأن قوله أثر من الآثار ، ونقل عن ابن القاسم أنه قال : اخترت مالكا لنفسي وجعلته بيني وبين النار ، ولا معنى لاختياره له إلا تقليده واعتقاده مذهبه ، والمجتهد إنما يجعل بينه وبين النار الأدلة لا شخصا معينا ، فإن قلت : لعل ذلك لتعلمه منه أولا لا لتقليده آخرا حين تبحر ، قلت : لا يجعل المجتهد حالة ابتدائه حجة لأنها انتسخت بأكمل

--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 59 .