محمد الحفناوي
235
تعريف الخلف برجال السلف
ذلك يرضع ثدي أمه ، ثم تحصل له تلك الحالة أيضا إلى أن نطق وقت بلوغ النطق على العادة ، فأخبر أمه بجميع ما كان يأخذها من الوجع والألم ، وأخبرها بأسباب ذلك ، وكانت حالته رضي اللّه عنه الاقتار ، قال بعض أصحابه : أنا ما في يدي شيء من الدنيا سوى مدّين من الدخن ، فقال له الشيخ : أنا ما عندي ولو مدا ولا أملكه ، قال الشيخ اليمني : لما حدث عنه بهذا ، وهذه صفته حتى لحق باللّه تعالى قال : وكان لا يلتفت لما يأتيه من الهدايا ، فإنها كانت تنزل بين يديه لا يأمر فيها ولا ينهى ، فيجيء من والى فيأخذها أو يأخذ منها ما شاء فكأنها ما هي بين يديه ، وما هي في تصريفه . وكان يذهب بأصحابه إلى موضع خال من الفلات ، فيأمرهم بالتفرق فيجلس كل وحده ، وينعزل عنهم هو وحده في ناحية إلى وقت الظهر ، فيرجع حينئذ ، ثم يجتمعون عليه فيرجعون إلى قريتهم ، هكذا كانت حالته كل يوم ، وكان دأبه التواضع مع الكبير والصغير دائم البشر ، يستوي عنده البعيد والقريب في الإكرام ، ولا يلبس إلا قميصا واحدا أضيق الكمين إلى نصف ساقه ، وكان شديد الاحتمال واسع الخلق حكى عنه تلميذه الشيخ اليمني أنه ما رآه مغضبا إلا يوما واحدا إذ قال له رجل بحضرته : اللهم اقطع أصل التوارق - قبيلة وافرة من العرب يقطعون الطريق - فتغير وجه الشيخ ، ثم قال للرجل : لا تساكنني ، ثم شفع فيه الفقراء ، فسمح له . ووشى به القاضي أبو بكر من علماء بلده إلى السلطان فلم يقبل ، حتى أوهمه أنه يحاول الملك ويفسد عليه الرعية ، فأثر ذلك فيه فأشخصه إليه ، فلما دخل الشيخ على الأمير استعمل السنة النبوية في دخوله وسلامه وخطابه ، فأثر ذلك [ 154 ] في قلب الأمير تأثيرا حسنا ، وكان من قول أبي بكر للسلطان في شأن الشيخ إنه كافر ، فقال الشيخ للسلطان : صدق أبو بكر أيها الأمير ، الجهل كفر ،