محمد الحفناوي
98
تعريف الخلف برجال السلف
افتراق هذه الأمة على أكثر مما افترقت عليه بنو إسرائيل ، واشتهار بأسهم بينهم إلى يوم القيامة ، حتى ضعفوا بذلك عن عدوهم ، وتعدد ملوكهم لاتساع أقطارهم ، واختلاف أنسابهم وعوائدهم ، حتى غلبوا بذلك على الخلافة ، فنزعت من أيديهم ، وساروا في الملك بسير من قبلهم ، مع غلبة الهوى واندراس معالم التقوى ، لكنا آخر الأمم أطلعنا اللّه من غيرنا على أقلّ مما ستر منا ، وهو المرجو أن يتمّ نعمته علينا ، ولا يرفع جميل ستره عنا ، فمن أشدّ ذلك إتلافا لغرضنا تحريف الكلم عن مواضعه الصحيحة ، إذ ذاك لم يكن بتبديل اللفظ ، إذ لا يمكن ذلك في مشهورات كتب العلماء المستعملة ، فكيف في الكتب الإلهية ، وإنما ذلك بالتأويل ، كما قال ابن عباس وغيره . وأنت تنظر ما اشتملت عليه كتب التفسير من الخلاف ، وما حملت الآي والأخبار عليه من ضعاف التأويلات . قيل لمالك : لم اختلف الناس في تفسير القرآن ؟ فقال : قالوا بآرائهم فاختلفوا . أين هذا من قول الصديق : أيّ سماء تظلّني وأيّ أرض تقلّني إذا قلت في كتابه عزّ وجلّ برأيي . كيف وبعض ذلك قد انحرف عن سبيل العدل إلى بعض الميل ، وأقرب ما يحمل عليه معظم خلافهم كون بعضهم علم ، فقصد إلى تحقيق نزول الآية بسبب أو حكم أو غيرهما ، وبعضهم لم يعلموا ذلك تعيينا ، فلما طال بحثهم ، وظنوا عجزهم ، صوّروا المسألة بما يسكن النفوس إلى فهمها في الجملة ، ليخرجوا عن حد الإبهام المطلق ، فذكروا ما ذكروه تمثيلا لا قطعا بالتعيين ، بل منه ما لا يعلم أنه أريد لا عموما ولا خصوصا ، لكنه يجوز أن يكون المراد أو قريبا منه ، وما يعلم أنه مراد بحسب الشركة والخصوصية ، ثم اختلط الأمران . والحق أن تفسير القرآن من أصعب الأمور ، فالإقدام عليه جرأة ، وقد قال الحسن لابن سيرين : تعبّر الرؤيا كأنك من آل يعقوب . فقال له : تفسّر القرآن كأنك شهدت التنزيل . وقد صح أنه عليه السلام لم يفسر من القرآن إلا آيات معدودة ، وكذا أصحابه