محمد الحفناوي

64

تعريف الخلف برجال السلف

الجن تقرأ عليه . ولي قضاء بجاية ، ودخل عليه الموارقة ، وهو قاضيها فألجئوه لبيعتهم وأكرهوه مع غيره عليها ، وكانوا يتلثمون ، ولا يبدون وجوههم ، فامتنع من البيعة ، وقال : لا نبايع من لا نعرف هل هو رجل أو امرأة ، فكشف له الميورقي ، وهذا منتهى ما بلغ من توقفه ، وهو أمر كبير عند مطالبته بالبيعة لولا علو منصبه ، وتأخر عن القضاء وبقي على دراسة العلم والاشتغال ، واحتاج إليه الناس في أمر دينهم ، فمالوا إليه وعوّلوا في أمرهم عليه . وكان يقول إذا أشير إليه بالتفرد في العلم والتوحد في الفهم : أدركت ببجاية سبعين مفتيا ما منهم من يعرف الحسن بن علي المسيلي ، ومرض في زمن ولايته القضاء فاستناب حفيده على الأحكام ، وكان له نبل فتحاكمت عنده يوما امرأتان ، ادعت إحداهما على الأخرى أنها أعارتها حليا ، وأنها لم تعده إليها ، وأنكرت الأخرى فشدّد على المنكرة وأوهمها حتى اعترفت ، وأعادت الحلي . وكان من سيرة هذا الحفيد أنه إذا انفصل عن مجلس الحكم ، يدخل لجده الفقيه أبي علي ويعرض عليه ما يلقى من المسائل ، فدخل عليه فرحا ، وعرض عليه هذه المسألة ، فاشتدّ نكير الفقيه رضي اللّه عنه ، وجعل يعيب على نفسه تقديمه ، وقال له : إنما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « البينة على المدّعي واليمين على من أنكر » « 1 » ، واستدعى شاهدين وأشهد بتأخيره ، وهذا من ورعه ووقوفه مع ظاهر الشرع ، وعلى هذا يجب أن يكون العمل ، وهو مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي تجويز مثل هذا ، فإنه يرى أن القصد إنما هو الوصول إلى حقيقة الأمر ، فأيّ شيء وصل إليه حصل القصد ، ولأجل هذا يجيزون قضاء الحكام بعلمهم ،

--> ( 1 ) أخرجه الشافعي 2 / 233 ، في الدعاوى والبينات : باب البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه ، ومسلم ( 1711 ) وذلك بلفظ « البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه » وأخرجه الترمذي 3 / 626 في كتاب الأحكام ( ش ) .