محمد الحفناوي
65
تعريف الخلف برجال السلف
والحق خلافه لحديث « فإنما أقضي له على نحو ما أسمع » « 1 » ، وقريب من هذا ما يحكى أن واليا كان بالإسكندرية يسمى فراجة ، وكان عالما رفيع القدر والهيئة ، معرضا عن أبناء الدنيا ، لا يخاف في اللّه لومة لائم ، فاتفق أن عامل بها رجل بياعا ، ودفع له درهما فوضعه البياع في قبضه ، ثم لم تتم بينهما المعاملة ، فقال الرجل للبياع : أصرف علي درهمي ، فقال له البياع : لا أعرف الدرهم ، ولكن هذا مكانه ، فحلف الرجل بطلاق زوجته لا يأخذ إلا درهمه بعينه ، وكثرت بينهما المراجعة إلى أن ترافعا إلى هذا الوالي فراجه ، فوصفا له قصتهما فأطرق ساعة ، ثم قال للبائع ادفع للرجل جميع ما في قبضك من الدراهم ، ويدفع لك مكانها دراهم من عنده ، ليتحلل بذلك من يمينه ، وكانت فتوى مرضية صحبها ذكاء ، فنهي المجلس بحاله إلى الفقيه أبي القاسم ابن جارة ، فاستحسن فتواه وصوبها ، ثم خاف أن يحمله العجب على أن يفتي في غيرها من المسائل بغير علم ولا موافقة شرعية ، فتوجه إلى الوالي حتى وصل إلى باب داره ، فقال له : أنت المفتي بين الرجلين في كذا ؟ فقال : نعم ، فقال له : من أباح لك التسوّر على فتاوى العلماء والدخول في أحكام الشرع ؟ إيّاك أن تتعرض لما لست له أهلا ، فقال له : يا فقيه أنا تائب ، فقال : أما إذا تبت فانصرف ، واحتفل بالجد في ما كلّفت به ، ولا تتعرض لما ليس من
--> ( 1 ) أخرجه الشافعي ( 626 ) بترتيب السندي ، ومالك في « الموطأ » 2 / 719 في الأقضية : باب الترغيب في القضاء بالحق ، والبخاري 5 / 212 في الشهادات : باب من أقام البينة بعد اليمين ، وفي المظالم : باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه ، وفي الحيل : باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت ، فقضى بقيمة الجارية ، ثم وجدها صاحبها فهي له ، وفي الأحكام : باب موعظة الإمام للخصوم ، وباب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه ، وباب القضاء في كثير المال وقليله ، وأخرجه مسلم ( 1713 ) في الأقضية : باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ، وأبو داود ( 3583 ) ، والترمذي ( 1339 ) ، والنسائي 8 / 233 ، وأحمد 6 / 290 ، 307 ، 308 ، 320 ، وأخرجه أحمد أيضا 2 / 332 من حديث أبي هريرة . ولفظه عند البخاري عن أم سلمة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجة من بعض ، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها » ( ش ) .