محمد الحفناوي

181

تعريف الخلف برجال السلف

معرفته تعالى ومراقبته إلا التوحيد ، وبه يفتح في فهم العلوم كلها ، وعلى قدر معرفته يزداد الخوف منه تعالى ا ه وانفرد بمعرفته إلى الغاية ، وعقائده كافية فيه خصوصا الصغرى لا يعادلها شيء من العقائد ، كما أشار إليه وسمعته يقول : العالم حقا من يستشكل الواضح ، ويوضح المشكل ، لسعة فهمه وعلمه وتحقيقه ، فهو الذي يحضر مجلسه وتستمع فوائده ا ه . وبموته فقد من يتصف بها وإن كان العلماء الحافظون موجودين ، لكن المراد العلم النافع المتصف صاحبه بالخشية ، فهو في علوم الباطن قطب رحاها وشمس ضحاها ، قد غاب بكلامه فيها في غيب اللّه تعالى ، واطّلع على معادن أسراره ومطالع أنواره ، يؤثر حب مولاه ويراقبه ، لا يأنس بأحد بل يفر كثيرا إلى الخلوات ، يطيل الفكرة في معرفته فانكشفت له عجائب الأسرار ، وتجلّت له الأبصار ، فصار من وارثي الأنبياء جامعا بين الحقيقة والشريعة على أكمل وجه ، له لطائف الأحوال وصالح الأقوال والأفعال ، باطنه حقائق التوحيد ، وظاهره زهد وتجريد ، وكلامه هداية لكل مريد ، كثير الخوف طويل الحزن ، يسمع لصدره أنين من شدة خوفه ، مستغرقا في الذكر فلا يشعر بمن معه ، مع تواضع وحسن خلق ورقة قلب ، رحيما متبسما في وجه من لقيه ، مع إقبال وحسن كلام ، يتزاحم الأطفال على تقبيل أطرافه ليّنا هيّنا حتى في مشيه ، ما ترى أحسن خلقا ولا أوسع صدرا وأكرم نفسا وأعطف قلبا وأحفظ عهدا منه ، يوقّر الكبير ويقف مع الصغير ، ويتواضع للضعفاء ، معظما جانب النبوة ، غاية لا يعارضه أحد إلّا ألجمه ، جمع له العلم والعمل والولاية إلى النهاية ، مع شفقته على الخلق وقضاء حوائجهم عند السلطان ، والصبر على أذيتهم ، وضع له من القبول والهيبة والإجلال في القلوب ما لم ينله غيره من علماء عصره وزهاده ، ارتحل الناس إليه وتبركوا به ، وسمعته آخر عمره يقول : من الغرائب في زماننا هذا أن يوجد عالم جمع له علم الظاهر والباطن على أكمل وجه بحيث ينتفع به في العلمين ، فوجود