محمد الحفناوي
182
تعريف الخلف برجال السلف
مثله في غاية الندور ، فمن وجده ، فقد وجد كنزا عظيما دنيا وأخرى ، فليشدّ عليه يده لئلا يضيع عن قرب ، فلا يجد مثله شرقا وغربا أبدا ا ه . وكأنه أشار به لنفسه ، فلم يلبث بعده حتى خطف ، فكأنه كاشفنا بذلك ، ولا شك أنه لا يوجد مثله أبدا ، وأما زهده وإعراضه عنه الدنيا فمعلوم ضرورة عند الكافة ، بعث إليه السلطان في أخذ شيء من غلات مدرسة الحسن أبركان ، فامتنع فألحّوا عليه ، فكتب في الاعتذار كتابة مطولة ، فقبل منه ، وسمعته يقول : الوليّ الحقيقي من لو كشف له على الجنة وحورها ما التفت إليها ولا ركن لغيره تعالى ، فهذه حقيقة العارف ا ه فهذا حاله . وأما وعظه ، فكان يقرع الأسماع ، وتقشعر منه الجلود ، كل من حضره يقول : معي يتكلم وإياي ، يعني جله في الخوف والمراقبة وأحوال الآخرة ، لا تخلو مجالسه منه مع حلاوة له لا توجد في كلام غيره ، يعظ كل أحد بحسب حاله ، ما رأيته قط إلا وشفتاه متحركتان بالذكر ، وربما يكلمه إنسان وأسمعه يذكر اللّه تعالى ، وتسمع لقلبه أنينا من شدة خوفه ومراقبته على الدوام ، سمعته يقول : الحقيقة امتثال الأمر واجتناب النهي مع كمال الذلة والخضوع ا ه . كان أورع زمانه ، يبغض الاجتماع بأهل الدنيا والنظر إليهم وقربهم ، خرجنا معه يوما إلى صحراء فرأى على بعد ناسا راكبين على خيول مع ثياب فاخرة ، فقال : من هؤلاء ؟ قلنا : خواصّ السلطان ، فتعوذ باللّه ورجع لطريق آخر ، ولقيهم مرة أخرى وما تمكن من الرجوع ، فجعل وجهه للحائط وغطاه حتى جازوا ولم يروه ، ولما وصل في تفسيره سورة الإخلاص ، وعزم على قراءتها يوما ، والمعوذتين يوما سمع به الوزير وأراد حضور الختم ، فبلغه ذلك فقرأ السور الثلاثة يوما واحدا خيفة حضوره عنده ، وطلبه السلطان أن يطلع إليه ويقرأ التفسير بحضرته على عادة المفسرين ، فامتنع فالحّوا عليه ، فكتب إليه معتذرا بغلبة الحياء له ، ولا يقدر على التكلم هناك ، فأيسوا منه ،