محمد الحفناوي
119
تعريف الخلف برجال السلف
وتشريحا وفلاحة ، وكثيرا من العلوم القديمة . « شرح جمل الخونجي » من أجلّ كتب الفن . انتفع به العلماء قراءة ونسخا وتأليفا في المعاوضات ، وكان قليل التأليف ، أكثر اعتنائه بالإقراء ، فتخرّج به من صدور العلماء وأعيان الفضلاء ونجباء الأولياء من لا يحصى ، وكان مهيبا محببا جعل اللّه محبته في القلوب ، من من رآه أحبه وإن لم يعرفه ، يجله الملوك ويقدمونه في مجالسهم ، يلاطفهم تارة ويفصح بالحق تارة ، وينصر المظلوم ويقضي الحوائج ، وقال لبعض الملوك ، وقد أمر بضرب فقيه : إن كان عندك صغيرا فهو عند الناس كبير ، وإنه من أهل العلم فنجا الفقيه وسرّح مكرّما ، ودخل بعض المرابطين على السلطان أبي حمو في أول أمره ، فلم يقبّل يده ولا بايعه بل سلم وانصرف ، فاشتد عليه غضبه ، فقال : ما له لا يبايعني وهمّ بشر ، فقال له أبو عبد اللّه : هذه عادته مع من تقدم من الملوك ، وهو من أهل اللّه فانكسر غضبه ، وأكرم المرابط وولاه قبيلة كلها ، وكان يجلسه الملوك في أرفع المجالس ، ينصتون له فيقيم الحق ، لا يخدمهم بدينه ولا يسألهم حوائج نفسه ، ولا يخاطبهم إلا بما يسوغ شرعا يعظم أهل الحق في قلوبهم ، ولا ينتصر لنفسه ، ويدفع حاسده بالتي هي أحسن ، يلتمس لأولى الفضل في عثرتهم أحسن الوجوه ، ويتغافل عن غيره مع ما له من جميل الذكر ، وبعد الصيت وعلو المنصب ، لا يماري العلماء في مجالس الملوك ، ولا يرد على أحد ولا يخطّئ المفسّرين ، ولا ينصر العامة ولا يجرّئهم على المعاصي ، بل يعظم منصب العلم . مجلسه مجلس نزاهة ودراية وتحقيق ، إذا تكلّم في مسألة أوضحها ، نهاره كله بين إقراء ومطالعة وتلاوة ، يقسم الوقت على الطلبة بالرملية ، ينام ثلث الليل ، وينظر ثلثه ، ويصلي ثلثه ، يقرأ كل ليلة ثمانية أحزاب في صلاته ،