محمد الحفناوي

120

تعريف الخلف برجال السلف

ومثله في أول النهار ، ويواظب قراءة الحزب دائما ، ويقرئ في التفسير نحو ربع حزب كل يوم مع البحث ، وإذا طال بحث الطلبة أمرهم بالتقييد في المسألة ثم يفصل بينهم ، يطالع كتبا كثيرة ، حدثني بعضهم : أنه وجد بين يديه سبعين كتابا . قويّ اليقين ، بعيد النفس عن الطمع ، لا يشغله أمر الرزق ، ارتاض نفسه للطلب حتى سهل عليه ، فنال خيرات الدنيا والآخرة ، وكان علماء الأندلس أعرف الناس بقدره ، وأكثرهم تعظيما له ، حتى إن العالم الشهير لسان الدين بن الخطيب صاحب الأنباء العجيبة والتآليف البديعة إذا ألّف تأليفا بعثه إليه ، وعرضه عليه ، وطلب منه أن يكتب عليه بخطه ، وكان الشيخ الإمام الصدر المفتي أبو سعيد ابن لبّ شيخ علماء الأندلس كلما أشكل عليه شيء كاتبه ليبين له ما أشكل ، فأقرّ له بالفضل ، وأما زهده ومروءته ودينه فمعلوم . كان غني النفس بربه ، ساكن الجأش ، كثير النفقة ، لا يهتم في أمرها حتى ذكر ولده عبد اللّه أنه بقي في بعض الأزمنة ستة أشهر مشتغلا بالعلم ، لم ير فيها أولاده ، لأنه يقوم صبحا وهم نائمون ، ويأتي ليلا وهم نائمون ، وذكر أنه لم يأخذ مرتّبا في مدرسته ولا غيرها في زمن طلبه ، وإنما ينفق من مال أبيه ، وربما وضع له طيب الطعام ليفطر به في رمضان وغيره ، فيشتغل عنه بالنظر حتى بسحوره فيتركهما حتى يصبح ، ويواصل الصوم بالنظر مصون العرض منزها عن الرتب ، اتفق العدو والصديق على نزاهته ، وصدق لهجته ، وتساوى في محبته البرّ والفاجر ، مواظبا على الفكرة واقفا مع الحدود ، مسلما للعبودية ، كثير الجد في الأمر والنهي لا تعدل الدنيا عنده شيئا ، يتباعد عن الملوك مع إقبالهم عليه وحرصهم على قربه ورفعته ، ما تولّى أمرا من أمور الدنيا بل يقف مع العلم حيث وقف مع تمكنه ، وكان السلطان أبو سعيد يحبه حبا عظيما ويخاطبه بسيدي ، فلما انحل ملكه عرض عليه مالا وديعة فامتنع