محمد الحفناوي

107

تعريف الخلف برجال السلف

ومريع رتبة سامية ، صرفت إلى سلفه الوجوه ، ولم يبق من إفريقية إلّا من يخافه ويرجوه ، وبلغ هو مدة ذلك الشرف الغاية من الترف ، ثم قلب الدهر له ظهر المجن ، واشتد به الخمار عند فراغ الدّنّ ، ولحق صاحبنا هذا بالمشرق بعد خطوب مبيرة وشدة كبيرة ، فامتزج بسكانه وقطانه ، ونال من اللذات به ما لم ينله في أوطانه واكتسب الشمائل العذاب ، وكان كابن الجهم بعث إلى الرصافة ليرقّ فذاب ، ثم حوّم على وطنه تحويم الطائر ، وألمّ بهذه البلاد إلمام الخيال الزائر ، فاغتنمت صفقة ودّه لحين وروده ، وخطبت موالاته على انقباضه وشروده ، فحصلت منه على درّة تقتنى ، وحديقة طيبة الجنى ، أنشدني في أصحاب له بمصر قاموا ببرّه فقال : لكلّ أناس مذهب وسجيّة * ومذهب أولاد النّظام المكارم إذا كنت فيهم ثاويا كنت سيّدا * وإن غبت عنهم لم تنلك المظالم أولئك صحبي لا عدمت حياتهم * ولا عدموا السّعد الذي هو دائم أغنّي بذكراهم وطيب حديثهم * كما غرّدت فوق الغصون الحمائم وقال : أحبّتنا بمصر لو رأيتم * بكائي عند أطراف النّهار لكنتم تشفقون لفرط وجدي * وما ألقاه من بعد الدّيار العبدري الغرناطي : وقال لسان الدين رحمه اللّه في ترجمة أبي عبد اللّه محمد بن محمد بن محمد بن بيش العبدري الغرناطي ما صورته : معلم مدرب ، ومسهل مقرب ، له في صنعة العربية باع مديد ، وفي هدفها سهم سديد ، ومشاركة في الأدب لا يفارقها تسديد ، لخاص للمنازع مختصرها ، مرتب الأحوال مقررها ، تميز أول وقته بالتجارة في الكتب ، فسلطت منه عليها أرضة آكلة ، وسهم أصاب من رميتها الشاكلة ، أترب بسببها وأثرى ،