الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
524
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية
سري فردا فردا ، حتى أخبرني عن سبب سفري إلى هراة ، فلما وجدت ذلك تعلق قلبي به كل التعلق . ثم قال لي : إن كان مقصودك طلب العلم فهو متيسر هنا ، فتيقنت أنه ما من خاطر إلا وقد اطلع عليه ، هذا ولم يخرج من قلبي محبة السفر إلى هراة ، فلما كوشف بذلك قال لي : لا تذهب إلى القرشي بل إلى بخارى ، ثم انصرفت ، وجئت صباحا لأستأذنه ، فقال لي أحد أتباعه : إنه مشغول بالكتابة فتربصت قليلا ، فلما فرغ قام من مقامه وأقبل نحوي ، ثم قال : أخبرني بجلية أمرك ، هل مرادك من هراة تحصيل الطريق أو العلم ؟ فدهشت من جلالته وسكت ، فقال له رفيقي : بل الغالب عليه الطريق ، وإنما جعل طلب العلم تسترا ، فتبسم وقال : إن كان كذلك فهو أفضل وأحسن ، ثم أخذني إلى جهة بستان له ، فلم نزل نسير حتى غبنا عن أعين الناس ثم وقف ، ومنذ أخذ بيدي جاءتني غيبة امتدّت معي حتى استغرقت زمنا طويلا ، فلما أفقت رجع يحدثني رضي اللّه عنه ، ثم قال : لعلك تقدر أن تقرأ خطي ، وأخرج من جيبه ورقة فقرأها وطواها ودفعها إليّ ، وقال : احفظها ، وإذا فيها : حقيقة العبادة خضوع وخشوع وانكسار يظهر على قلب ابن آدم من شهود عظمة اللّه تعالى ، وهذه السعادة موقوفة على محبة اللّه تعالى ، وهي موقوفة على اتباع سيد الأولين والآخرين عليه من الصلوات أكملها ، ومن التحيات أتمها ، وهو موقوف على معرفة طريقه ، فلزم لذلك بالضرورة مصاحبة العلماء الوارثين لعلوم الدين ، وتلقي العلوم النافعة منهم ، حتى تظهر المعارف الإلهية المنوطة بمتابعته صلّى اللّه عليه وسلم ، ومجانبة علماء السوء الذين اتخذوا الدين وسيلة لجمع الدنيا وسببا للجاه ، والمتصوفة الرقاصين وأهل السماع الذين يتناولون ما يجدون من حلال وحرام ، وعدم الإصغاء للمسائل المخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة ، من مشكلات علم الكلام والتصوف والسلام . ثم رجع إلى مجلسه فقرأ الفاتحة ، ورخص لي بالسفر إلى هراة ، فتوجهت كما أمرني قاصدا إلى بخارى ، فما سرت خطوات إلا واتبعني بكتاب إلى